Articles by "مقدمة قصيرة جدًّا"




في واحد من أشهر مشاهد الصف المدرسي لتشارلز ديكنز يطلب السيد توماس جرادجرايند الذي يؤمن بأهمية الحقائق من سيسي جوب تعريف الحصان، فترتعد الفتاة وتحاول جاهدة التوصل إلى الإجابة الصحيحة، فيقول السيد جرادجرايند «الفتاة رقم عشرين تعجز عن تعريف الحصان! الفتاة رقم عشرين
ليست لديها أية حقائق عن واحد من أكثر الحيوانات انتشارًا! فلننظر إلى تعريف أحد الفتيان للحصان، هيا يا بيتزر.» وكان بيتزر ذو العينين الباردتين يعلم الحقائق المطلوبة: «حيوان من ذوات الأربع يتغذَّى على النجيل، له أربعون سِنًّا منها أربعة وعشرون ضرسًا وأربعة أنياب واثنا عشر من القواطع، وهو يُغَيِّر جلده في الربيع، وفي البلدان ذات المستنقعات يغير حوافره أيضًا، وحوافره صلبة لكنها تحتاج إلى حَدوات من الحديد، ويمكننا معرفة عمره عن طريق علامات في فمه» («أوقات عصيبة»، ١٨٥٤).

يثير جهل سيسي بالمصطلحات الصحيحة السخرية، فهي بالطبع تعرف الأحصنة أفضل من جرادجرايند فضلًا عن بيتزر، فهي أحد أبناء السيرك وقد عاشتْ طوال حياتها مع الأحصنة، وهي تحبها وتعتني بها وتحيا في عالم تُمتَطى فيه الأحصنة ببراعة شديدة. وتتمثل وجهة نظر ديكنز في أن المعرفة الحقيقية تأتي من الخبرة والعلاقة المباشرة، لا من الحقائق والنظم. وفي فترةٍ ما أُعجِب الناقد الأدبي المؤثر بجامعة كامبريدج د. إف آر ليفيس برواية «أوقات عصيبة» أكثر من كل روايات ديكنز الأخرى؛ وذلك لأنها تبرز بقوةٍ التعارضَ بين الحيوية التي يجسدها أبناء السيرك وبين قمع الروح الإنسانية الذي تؤدِّي إليه نظرية جرادجرايند التعليمية القائلة بأن الحقائق وحدها هي المهمة. كانتْ مدرسة جرادجرايند تسعى إلى اقتلاع قدرة الأطفال على التعجب والإحساس الشِّعري واللعب التخيلي؛ من أجل إعدادهم كي يصبحوا عُمَّالًا في المصانع أو تروسًا ميكانيكية في عجلة الإنتاج الرأسمالي في العصر الفيكتوري. وعلى النقيض من ذلك، فقد كان هدف معلمي الأدب في تُراث ليفيس إنشاء أجيال تتمتع بقوة الإحساس والفهم الإنساني. وكانت اللغة الإنجليزية غالبًا ما تُدرَس بحماس مُتَّقِد؛ فدراسة الأدب من المفترض أن تكون تجربة تُغير حياة الفرد وربما المجتمع.



ومِن ثَمَّ، فإن السؤال عن ماهية الأدب الإنجليزي قد تكون الإجابة عنه من وجهة نظر ليفيس وربما ديكنز أيضًا: «أمرٌ تعرفه عندما تمر به.» إن الأدب يعني تلك الكتب التي تحيا معها وتحبها، تلك الكتب التي تجسِّد «الحياة». وثمة نهج بديل معارض بالقدْر نفسه لروح السيد جرادجرايند، وهو تعريف الأدب بأنه تلك الكتب التي تشجِّع إيجابيًّا على القيام بحِيَل هائلة لتفسيرها، على نحو مشابه للألعاب البهلوانية التي يقوم بها لاعبو السيرك. والنصوص الأدبية هي تلك النصوص التي تُستخدَم فيها اللغة ببراعة شديدة، تلك النصوص التي تستجيب لمجموعة متنوعة من التفسيرات.

إذا كان الأدب أمرًا يجب أن تتعلمه بالفطرة، أو إذا كانت كلمة «أدبي» مرادفًا آخر لكلمة «هازل»، فإن تعريف «الأدب الإنجليزي» باختزاله في مجموعة من الحقائق يُعَدُّ تدميرًا لمتعته المميزة على طريقة جرادجرايند الرافض للخيال. كَتَبَ ويليام وردزوورث ذات مرة قائلًا: «إننا نقتل كي نقوم بالتشريح.» هل تشبه عملية وضع عمل أدبي في سياقه العام أو التاريخي أخذ كائن حي وقتله ثم وضعه على طاولة المعمل والشروع في تشريحه بمِبضع؟ هذا شعور شائع بين عشاق الكتب عندما يقابلون التحليل النقدي والتاريخ الأدبي لأول مرة، فضلًا عن النظرية الأدبية. وربما ينسَوْن أن العمل الأدبي ليس كائنًا حيًّا، بل إنه نتاج مهارة الكاتب وبراعته، ويجب على الأقل أن يزيد فهمُ أدوات صناعة الكاتب والرحلة التي يمر بها العمل الأدبي حتى يخرج إلى النور من المتعة التي نحصل عليها من المنتج النهائي، لا أن يقلل منها.


بيانات الكتاب

الأسم : الأدب الإنجليزي
المؤلف :  جوناثان بيت
المترجم : خالد غريب علي
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 170 صفحة
الحجم : 8 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١5م



عمَّ تدور نظرية الألعاب؟
عندما كانت زوجتي غائبةً طوال النهار في مؤتمر صغير شائق في إقليم توسكانا، دعَتْني ثلاث شابَّات لأشاركهنَّ الغداء. وبينما كنت جالسًا، قالت إحداهن بصوتٍ جذَّاب: «علِّمنا كيف نلعب لعبة الحب.» لكنْ تبيَّن أن كلَّ ما أردْنَه هو نصيحة حول كيفية التعامل مع العُشَّاق الإيطاليين. ولا أزال أعتقد أنهنَّ أخطأْنَ
عندما رفضْنَ توصياتي المهمة، لكنهنَّ أصبنَ في التسليم بأن المغازلة هي واحدة من الألعاب العديدة المختلفة التي نلعبها في الحياة الواقعية.
فالسائقون وهم يناورون وسط الزحام المروري يلعبون لعبة قيادة، وتُجَّار الصفقات وهم يقدِّمون العروض على موقع «إيباي» يلعبون لعبة مزادات، وعندما تتفاوض شركةٌ مع إحدى النقابات العُمالية على أجور العام المقبل فإنهما تلعبان لعبة تفاوُض، وعندما يختار المرشحون المتنافسون برنامجهم في أحد الانتخابات فإنهم يلعبون لعبةً سياسية، وصاحب محل البقالة الذي يحدد سعر رقائق الذرة اليوم يلعب لعبةً اقتصادية. بإيجاز، متى تفاعل البشر فإنهم يكونون بصدد ممارسة لعبةٍ ما.
وقد لعب أنطونيو وكليوباترا لعبة المغازلة على نطاقٍ واسع، وحقَّق بيل جيتس ثراءً هائلًا عندما لعب لعبة برامج الكمبيوتر، ولعب كلٌّ من أدولف هتلر وجوزيف ستالين لعبةً أبادت نسبةً ليست هيِّنة من سكان العالم، وأثناء أزمة الصواريخ الكوبية لعب خروشوف وكينيدي لعبةً كان من الممكن أن تُبيد البشرية جمعاء.


مع هذا التطبيق الواسع النطاق، تكون نظرية الألعاب علاجًا شاملًا إذا ما استطاعت دائمًا أن تتنبَّأ بالكيفية التي سيلعب بها الأفرادُ الألعابَ المتعددة التي تتكوَّن منها الحياة الاجتماعية في العموم. ولكنَّ نظرية الألعاب لا تستطيع أن تحل كل مشكلات العالم؛ لأنها لا تنجح إلا عندما يلعب البشر الألعاب «بعقلانية»؛ لذا فهي لا تستطيع أن تتنبَّأ بسلوك المراهقين الوَلْهانين أمثال روميو وجولييت، أو المجانين أمثال هتلر أو ستالين. غير أن سلوك البشر لا يكون دائمًا غير عقلاني؛ ومن ثَمَّ فليس مضيعةً للوقت أن نَدْرس ما سيحدث عندما يفكر البشر بعقلانية؛ فمعظمنا على الأقل يحاولون التحليَ بالحكمة عند إنفاق أموالهم، ولا يتسم سلوكنا الإنفاقي في معظم الوقت بالسَّفَهِ والإسراف المبالَغ فيهما، وإلا فما كانت النظرية الاقتصادية لِتنجحَ على الإطلاق.
حتى عندما لا يَدْرس الأفراد كل شيءٍ سابقًا، فلا يستتبع ذلك أنهم يتصرَّفون بالضرورة على نحوٍ غير عقلاني. لقد كان لنظرية الألعاب إنجازاتٌ واضحةٌ في تفسير سلوك العناكب والأسماك، على الرغم من أنه لا يمكن الزعم بأن أيًّا من النوعَيْن يفكر مطلقًا. فمثل هذه الحيوانات غير العاقلة تنتهي بها الحال إلى التصرف كما لو أنها عاقلة؛ لأن منافسيها من الحيوانات الأخرى، التي برمجَتْها جيناتها على أن تسلك سلوكيات غير عقلانية، صارت منقرضةً في الوقت الحالي. وبالمثل، لا يدير الشركاتِ دائمًا نابغون عظامٌ، لكن السوق كثيرًا ما تكون قاسيةً كالطبيعة؛ فتُطيح بمن هم دون المستوى إلى خارج المشهد.


بيانات الكتاب

الأسم : نظرية الألعاب
المؤلف : كين بينمور
المترجم :نجوى عبد المطلب
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



كان لروسو — وكذا لمونتسكيو وهيوم وسميث وكانط من بين معاصريه — أكبر الأثر في التاريخ الفكري الأوروبي المعاصر، ربما بما يتجاوز أثرَ جميعِ معاصريه. فلم يُساهِم مفكِّر مثلُه من مفكري القرن الثامن عشر بكمٍّ أكبرَ من الكتابات المهمة في نطاق كبير جدًّا من الموضوعات وبأشكال مختلفة من أشكال الكتابة، ولم يُضارِعه أحد في كتابته من حيث الحماس المتَّقد والفصاحة البليغة. ولم يتمكن أحد غيره —
من خلال أعماله وحياته — من أن يثير الخيال العام أو يُربِكه بهذا القدْر من العمق. ويكاد يكون روسو وحده بين أبرز رموز التنوير الذي عرَّضَ التيارات الأساسية للعالم الذي عاش في جنباته إلى أكثر الانتقادات إلهامًا، حتى حين كانت غايته الطعن في مسارها، وعندما اغتنم قادة الثورة الفرنسية لاحقًا الفرصة لمحاولة وضع النظريات السياسية محل التطبيق العملي، فقد كانت بوصلتهم في المقام الأول موجهة تجاه أفكار روسو.
وشأنه شأن غيره من أبرز كتاب عصره، كان لروسو بطبيعة الحال العديد من الاهتمامات بخلاف السياسة. فقد كان مؤلفًا موسيقيًّا محبوبًا جدًّا، ومؤلفًا لقاموس كبير ومهمٍّ للموسيقى، وهو الموضوع الذي ربما استرعى انتباهه أكثر من غيره طيلة حياته. ورغم أن عددًا من أبرز كتاباته المبكرة المهمة تعاطت مع الفنون والعلوم وفلسفة التاريخ، فمن الواضح أن شغفه الأساسي خلال سنواته الأخيرة انصبَّ على علم النبات الذي خصص له مجموعة من الرسائل أمستْ بعدَ ترجمتها للإنجليزية مرجعًا شهيرًا في هذا العِلْم في إنجلترا. ولقد أشعل مؤلَّفُه «أحلام يقظة جوال منفرد» ثورة من الطبيعية الرومانسية في شتَّى أرجاء أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر، بينما حظِيَتْ روايتُه «إلواز الجديدة» بأوسع انتشار بين القُرَّاء في زمانه. علاوة على ذلك، يُعَدُّ مؤلَّفه «اعترافات» أهم عمل للسيرة الذاتية منذ السيرة الذاتية للقديس أوغسطين، وكذا مؤلَّفه «إميل» عُدَّ أهم عمل عن التربية بعد كتاب «الجمهورية» لأفلاطون. ومع ذلك، فقد حقق روسو أوسع شهرة له كفيلسوف أخلاقي ومفكر سياسي.


لقد قُدِّر لمحل ميلاده وطفولته المبكرة أن يتركا انطباعات عميقة على حياته ونموه الفكري. وُلد روسو عام ١٧١٢ في جنيف، وكانتْ مدينة صغيرة يعتنق أهلُها الكالفينية وتُحيط بها مجتمعات كبيرة كاثوليكية في الأغلب الأعم؛ فكانت دولة جبلية تحميها من أيِّ غزو حدودُها الطبيعية والثقافةُ السياسية لمواطنيها، والأهم من ذلك أنها كانت جمهورية في وسط دوقيات وممالك. وعندما وصف روسو لاحقًا كاهن سافوي في روايته «إميل» وهو يَدِين بالإيمان لربٍّ تصل إليه من خلال الفطرة لا الوحي المُنزل من السماء، على تلٍّ يُطِلُّ على إحدى المُدُنِ، تخيل صورة لتواصُل مباشر بين رجل وخالِقِه كذلك الذي يمكن أن يشاركه إياه قليل من سكان المدن الأخرى التي يعرفها. وفي معارضتهم للحكم الاستبدادي والامتيازات التي تُمنَح للمنتمين للطبقة الأرستقراطية والتي تقوم على الفساد والرشوة، اعتبر كثير من مفكري القرن الثامن عشر الملوكَ التقدميين حلفاءَ لهم في قضية الإصلاح. لكن روسو لم يُبدِ أيًّا من الثقة التي تحلى بها معاصروه في احتمال وجود حكم مطلق مستنير. وبينما دفع وجود التزام راديكالي، وهو الذي قلَّل منه الخوف من الرقابة، لدى ديدرو وفولتير وغيرهما لنشر مؤلفاتهم دون وضع أسمائهم عليها، استغلَّ روسو كل فرصة سانحة له لينشر أعماله بتوقيع «مواطن من جنيف»، ولم يكفَّ عن ذلك إلَّا بعدَ أنِ اقتنع بأنَّ بني وطنه فقدوا بُوصلتَهُم بشكلٍ كامل. ولم يَكُنْ أيٌّ من رموز التنوير أكثر من روسو عداءً للمسار الذي اتخذتْه الحضارة السياسية، ولم يكن أيٌّ منهم في الوقت نفسه فخورًا بهويته السياسية شأنه


بيانات الكتاب

الأسم : روسو
المؤلف : روبرت ووكلر
المترجم :أحمد محمد الروبي
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م




أخذ كينز على عاتقه إنقاذ ما سمَّاه «الفردية الرأسمالية» مِن داء انتشار البطالة، الذي رأى كينز أننا إذا أهملناه فسيَجعل «أنظمة الحكم الاستبدادية» هي الأنظمةَ السائدة في العالم الغربي. وُلد كينز في الخامس من يونيو عام ١٨٨٣ في حقبة مختلفة تمامًا من «الفردية الرأسمالية»؛ حقبةٍ كان التقدم
الاقتصادي فيها أمرًا بديهيًّا، وحَكمَتِ الدولةَ فيها نخبةٌ ليبرالية امتلكَتِ الأراضِيَ والأموالَ، وبدا أن بريطانيا أمَّنتْ لنفسها موقعَهَا في قلب النظام التجاري العالمي. ولم يَرَ سوى قليلين أن هذه الحقبة تتجه نحو الأفول. وكانت شكوك العصر الفيكتوري لا تزال دينية أكثر منها مادية، رغم الهواجس بشأن الأخطار التي تهدد النظام الراسخ، والتي منها ظهورُ الديمقراطية في الداخل، وخَطَرُ ألمانيا في الخارج، وتَراجُع الأهمية الاقتصادية، والتزايد المطَّرِد في معدَّل التقلبات الصناعية. وظهرتْ كلمة «بطالة» لأول مرة في «قاموس أكسفورد للغة الإنجليزية» عام ١٨٨٨، وهذه علامة على أشياء كانتْ وشيكة الحدوث.


لم يكن جون مينارد كينز نِتاج قصةِ نجاحٍ فيكتورية غير مألوفة؛ فقد كان الأكبر من بين ثلاثة أطفال لعائلة ميسورة الحال، عملتْ بالسلك الأكاديمي بجامعة كامبريدج، وسكنتْ في ٦ طريق هارفي. ويعود أصل عائلة كينز إلى فارس نورماني جاء مع ويليام الأول الملقب بويليام الفاتح. لكن كان جدُّ مينارد كينز من جهة الأب هو مَن أنقَذَ العائلة من الفقر، بعد أن جمع ثروة صغيرة من امتلاكه لمزرعة خضراوات صغيرة يبيع ثمارها للناس في سولزبيري. وتمكَّن ولدُه الوحيد، جون نيفيل، من الحصول على زمالة كلية بيمبروك في جامعة كامبريدج في سبعينيات القرن التاسع عشر. كان فيلسوفًا واقتصاديًّا، حيث كتب نصوصًا صالحة للنشر في علم المنطق والمناهج الاقتصادية، وأصبح لاحقًا أمين سجلات الجامعة. وفي عام ١٨٨٢ تزوج فلورنس أدا براون، ابنةَ كاهن طائفة معروف شمال البلاد وناظرةَ مدرسة كرَّسَتْ حياتَها لقضية تعليم المرأة. كان نَسَبُ العائلتين يجمع بين «الدِّين والتجارة»، وكان انتقال العائلة إلى كامبريدج جزءًا من استيعاب الشذوذ الريفي في أثناء تأسيس إنجلترا الفيكتورية.
جسَّد والدا كينز القِيَم الفيكتورية في صورة مرنة. فانغمس جون نيفيل كينز في مجموعة متنوعة من الهوايات. وورث عنه مينارد كينز حِدَّة الفكر وكفاءة الإدارة مع نزعة للمزاح، رغم أن القَدَر رَحِمَه ولم يَرِثِ القلق من أبيه. أما فلورنس كينز فقد تبنَّتْ «قضايا هامة»، لكن ليس على حساب أسرتها قَطُّ؛ فقد مثَّلتْ — كما هو الحال بالنسبة لجميع أفراد عائلة براون التي تنتمي إليها — جانِبَيِ «الوعظ وفعل الخير» فيما ورِثه مينارد عن عائلته؛ كما أن عائلة براون كانتْ تتمتع ببعض الخيال الفكري. كانتْ عبقريةُ كينز ذاتية، لكنه شعر أن هناك تقاليد اجتماعية وفكرية عليه الالتزام بها.


بيانات الكتاب

الأسم : جون مينارد كينز
المؤلف : روبرت سكيدلسكي
المترجم :عبد الرحمن مجدي
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م




وُلِد جون لوك في قرية سومرست في صيف عام ١٦٣٢، ووافَتْه المنية في المنزل الريفي لأصدقائه آل ماشام في أوتس بمدينة إسكس، في أواخر أكتوبر عام ١٧٠٤. وحتى منتصف العقد الرابع من عمره، عاش لوك حياة عادية للغاية، على الأقل كما بَدَا من مظاهرها الخارجية؛ لكن على مدار أكثر من ثلاثة عقود، بدءًا من عام ١٦٦٧، انخرَطَ عن كثب في تقلُّبات السياسة الداخلية الإنجليزية، وإذا به في أواخر
الخمسينيات من عمره يصبح — على حين غرة ولأول مرة — رجلًا ذائع الصيت للغاية. ومنذ ذلك الحين فصاعدًا، كان كلُّ مراسليه تقريبًا يصفونه دون سخرية — مع الليدي ماري كالفرلي — بأنه ببساطة «أعظم رجل في العالم» (مراسلات جون لوك، المجلد الرابع). وعندما حان الوقت أخيرًا ليصير مشهورًا، ذاع صيته بوصفه فيلسوفًا، بدءًا من لحظة نشر مؤلَّفاته، ولا سيَّما عمله الرائع الصادر عام ١٦٨٩ تحت عنوان «مقال في الفهم البشري»، واستمرت هذه الشهرة — دون انقطاع — إلى يومنا هذا.
ببلوغه سن الأربعين، كان لوك قد ابتعد كثيرًا عن أصوله السومرستية؛ ومن المؤكَّد أن الفجوة الاجتماعية بينه وبين سائر أفراد عائلته أخذت تتسع باطرادٍ بعضَ الشيء بقيةَ حياته، لكن في بعض النواحي الجوهرية من حياته، ظلَّ ما اكتسبه خلال تنشئته الأولى (بغضِّ النظر عن النتيجة)، يؤثِّر على نحوٍ محوريٍّ في وجدانه وتوجُّهاته حتى يوم مماته. من النادر أن يتمكَّن المرءُ من تقييم آثار مستمرة كهذه بأي قدر من الثقة، لا سيما في حال رجل أو امرأة من القرن السابع عشر. لكن من مظاهر الغرابة في مزاج لوك إعراضه المُبالَغ فيه عن إلقاء أي ورقة كان قد كتب عليها، ولمَّا انحدرت إلينا — لحُسْن الحظ الشديد — معظمُ الأوراق التي ظلت باقيةً حتى مماته، استطعنا في حقيقة الأمر أن نعرف عنه أكثر مما نعرف عن جميع معاصريه وأسلافه، خلا عددٍ قليل منهم. ويتضح من هذه المخطوطات الهائلة أن لوك اعتنق خلال مرحلة نضجه نمطًا وجدانيًّا بيوريتانيًّا عميقًا، وهو نمط يرسِّخ الإحساس بالواجب ويجعله محور حياة الفرد. لم يكن لوك شخصًا كئيبًا أو بائسًا على الإطلاق، لكنه ألزمَ نفسه — بقدرِ ما ألزَمَ الآخَرين — بمتطلَّبات صارمة للغاية؛ وكان شديد التزمُّت الأخلاقي في ردود أفعاله في حال عدم الوفاء بتلك المتطلبات. ولم يكن ثمة ما هو بيوريتانيٌّ في معظم آرائه الفلسفية التي جعلته خالدَ الذكر حتى يومنا، بل إنَّ كثيرًا منها كان سيشكِّل صدمةً لأيِّ بيوريتاني على قيد الحياة عام ١٦٣٢، إلا أن الهوية الشخصية التي أضفَتْ على فِكره ككلٍّ قدرًا من التكامُل والعُمق الإنساني تعكس ذاتًا بيوريتانية حتى النخاع.


كان كلٌّ من والِد لوك ووالِدته ينحدر من عائلتين تجاريتين بيوريتانيتين؛ فعائلة الأب تعمل في مجال بيع الأقمشة، وعائلة الأم تعمل في مجال الدباغة، ولم يكن دَخْل والِده كمحامٍ وموظَّف في «هيئة قضاة الصلح» بسومرست كبيرًا، وكان يمتلك بالإضافة إلى ذلك قطعةَ أرض؛ لم تكن تكفي في حد ذاتها كي تمكِّنه هو أو ابنه من أن يحيا حياة النبلاء، لكنها كانت كافيةً لأن يمنح الابن نفسه في سنواتٍ لاحقة ذلك اللقبَ المكتوب على صفحات عناوين أعظم أعماله. لم تكن هذه البيئة في حد ذاتها لتضمن لِلوك مستقبلًا واعِدًا، لكن إنْ كان أفراد عائلته من الدرجة الأولى محدودي الاهتمامات وغير طموحين إلى حدٍّ ما في مساعيهم الدنيوية، فقد كان لهم معارف أكثر نفوذًا ونجاحًا، وكان أبرزهم ألكسندر بوفام. حاربَ بوفام — مثل والِد لوك — كضابط في سلاح الفروسية التابع للبرلمان بسومرست في المراحل الأولى من الحرب الأهلية، ثم مضى في طريقه ليصير عضوًا في البرلمان عن منطقة وست كانتري، وشخصيةً بارزة في السياسة الداخلية. وفي عام ١٦٤٧، بوصفه عضوًا في البرلمان عن مدينة باث، كان في منزلةٍ تُمكِّنه من أن يقدِّم لوالِد لوك — الذي كان محاميَه وضابِطًا زميلًا له — الفرصةَ كي يُلحِقَ ابنه الأكبر بمدرسة وستمنستر. وفي السنوات اللاحقة، ظلَّ والِد لوك يأمل في الحصول على رعاية حلفائه السياسيين أصحاب النفوذ، لكن يبدو أن آماله دائمًا ما كانت تخيب، ربما فيما خلا انتقال ابنه المصيري من مدرسة وستمنستر إلى كلية «كنيسة المسيح» بأكسفورد؛ حيث يتجلَّى مجددًا أن وجود راعٍ من ذوي النفوذ أمرٌ لا غنَى عنه. لكن إن كان لوالِد لوك أثر محدود على العالم في مجمله، فمن الواضح أن هذا الرجل الصارم — والساخط إلى حدٍّ ما في المراحل الأخيرة من حياته — قد ترك أثرًا عميقًا في ابنه البارز؛ فقد علَّمه استقلاليةَ الروح وقوةَ الانضباط الذاتي، اللتين ساهمتَا في تشكيل حياة لوك بأكملها.


بيانات الكتاب

الأسم : جون لوك
المؤلف : جون دَن
المترجم :فايقة جرجس حنا
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



كان إنجلز شريكًا في أحد الإسهامات الفكرية الأكثر شهرةً على مر التاريخ، وعلى الرغم من أنه وفقًا لاعترافه كان الشريكَ الأقل نصيبًا في هذا الإسهام، فلقد كان في واقع الأمر أكثرَ تأثيرًا من الناحية السياسية مقارَنةً بشريكه صاحب النصيب الأكبر في هذا الإسهام، ويأتي هذا التأثير من خلال شروحه
لأفكار كارل ماركس التي أدَّتْ إلى انتشارها على نحو كبير.
غير أن إنجلز كانت له أيضًا أفكارٌ خاصة به، وفي هذا الكتاب، سوف أحاول التعريفَ بتلك الأفكار وتقييمها. اعترف ماركس نفسه بأنه قد تأثَّرَ إلى حدٍّ كبير بأعمال إنجلز، وتوجد بطبيعة الحال الأعمال الشهيرة التي كتبها إنجلز بالاشتراك مع ماركس، وسوف أقوم بمناقشة إسهام إنجلز في تلك الأعمال، بقدر ما يمكن تحديدها.


عكف إنجلز في معظم حياته على تأليف أعماله الخاصة ونشرها باسمه، وهنا نجد المشاكل الأكثر صعوبةً والأكثر أهميةً فيما يتعلَّق بفكره؛ فإلى أي مدًى كان إنجلز يدعم عملَ ماركس في النواحي التي كلَّفَه بها؟ وهل من الممكن قراءة أعمال إنجلز المستقلة كما لو كانت مكتوبةً بالاشتراك مع ماركس؟ وهل ماركس وإنجلز يتحدَّثان دائمًا بصوت واحد، حتى عندما يكتب كلٌّ منهما وينشر أعمالَه على نحوٍ مستقِلٍّ عن الآخَر؟ إجابات هذه الأسئلة مهمة؛ لأن إنجلز كان له تأثيرٌ هائل من خلال شخصه ومن خلال كتاباته عن تطوُّر الماركسية، لا سيما في الأعمال التي انتشرت على نطاق واسع بعد وفاة ماركس. وفي كثير من الحالات، كانت تلك الأعمال مصمَّمةً لتكون شروحًا لأعمال ماركس أو لأعمالٍ اشترك ماركس وإنجلز في تأليفها، أو اعتُبِر أنها شروح لأعمالهما. وكثير من الاشتراكيين اعتبروا أعمال إنجلز الأخيرة أعمالًا مرجعية ومُحكمة، وتحوَّلَ الكثيرون إلى الماركسية بالكامل بناءً على هذا الأساس.
ليس من التفاهة على الإطلاق التساؤل حول ما إذا كان ماركس وإنجلز قد اتَّفَقَا أو اختلفَا في أي موضوع من الموضوعات، أو حول ما إذا كانت أعمال كلٍّ منهما تناقض أعمال الآخر، أو تُظهِر أيَّ اختلاف واضح. وإذا كان هناك أيُّ اختلافات كبيرة بين الاثنين (كما أعتقد)، فعندها تصبح الماركسية ظاهرةً يصعب وصْفُها للغاية، ويصبح لزامًا أن تبوء بالفشل منذ البداية كلُّ محاولات تقديمها كنظرة عالمية موحدة منهجية.


بيانات الكتاب

الأسم : إنجلز
المؤلف : تيريل كارفر
المترجم :مصطفى محمد فؤاد
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



المشكلة الصعبة للوعي
ما الوعي؟ قد يبدو هذا سؤالًا بسيطًا، لكنه ليس كذلك؛ فالوعي هو أكثر الأشياء التي يمكننا بحْثُها وضوحًا،
وأكثرها غموضًا في الوقت نفسه. يبدو أنه يلزمنا إما استخدام الوعي لدراسته هو نفسه! وهي فكرة غريبة نوعًا ما، وإما أن نحرِّرَ أنفسَنا من الوعي الذي نودُّ دراستَه. ولا عجب أن الفلاسفة والعلماء قد بذلوا جهودًا مضنيةً على مدى قرنين من الزمان من أجل الوصول إلى مفهوم الوعي، ولا عجب أيضًا أن العلماء رفضوا الفكرةَ برمَّتها لفترات طويلة، بل رفضوا أيضًا دراستَها؛ النقطة الإيجابية أن «الدراسات الخاصة بالوعي» أخذَتْ في الازدهار بدءًا من القرن الحادي والعشرين. وصل علم النفس وعلم الأحياء وعلم الأعصاب إلى نقطةٍ يمكن عندها مواجَهةُ بعضِ الأسئلة المحيِّرة على غرار: ما الذي يفعله الوعيُ؟ وهل كان لنا أن نتطوَّر من دونه؟ وهل يمكن أن يكون الوعي وَهْمًا؟ وما الوعي على أي حال؟
لا يعني ذلك أن الغموض قد اختفى تمامًا، فالواقع أنه لا يزال متغلغِلًا في هذا الأمر كما كان دائمًا، الفرق الآن أننا نعرف عن الدماغ ما يكفينا للاستعداد لمواجَهةِ المشكلة على نحوٍ مباشِرٍ. كيف يمكن لإطلاق النبضات الكهربية من ملايين الخلايا الدماغية أن يُنتج تجربةً واعية ذاتية شخصية؟


إذا أردنا إحرازَ أيِّ تقدُّم فيما يتعلَّق بفهم مسألة الوعي، فعلينا التعامُل مع هذا الأمر بجدية تامة. هناك الكثير من الأشخاص الذين يدَّعُون أنهم قد وجدوا حلًّا للغز الوعي؛ فهم يقترحون نظرياتٍ موحِّدةً عظمى ونظرياتٍ ميكانيكيةً كميَّة، ونظرياتٍ روحانيةً حول «قوة الوعي»، وغيرها الكثير، لكن أغلبهم يتجاهلون الفجوةَ العميقة أو «الهوَّةَ السحيقة» بين العالمين المادي والعقلي؛ وما دام هؤلاء الأشخاص يتجاهلون تلك المشكلة، فإنهم لن يتعاملوا بفاعلية مع الوعي بأي حالٍ من الأحوال.


بيانات الكتاب

الأسم : الوعي
المؤلف : سوزان بلاكمور
المترجم :مصطفى محمد فؤاد
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



ظللنا لعدة قرون نعتبر النوم لا يعدو كونه عمليةَ توقف للنشاط، وحالةً سلبية من اللاوعي، وقد كنا مخطئين في فهمنا ذلك طيلة تلك القرون. وربما كان الإخفاق في فهم الطبيعة النشطة للنوم هو أحد الأسباب التي جعلت مجتمعَنا الصاخبَ على مدار الساعة لا يُولي النومَ الاهتمامَ الكافي. ففي أفضل الأحوال، يتقبَّل العديدون منا حقيقة أننا جميعًا في حاجة إلى النوم، أما في أسوأ الظروف فإننا نعتبر النومَ حالةً مَرَضِيَّة تحتاج إلى علاج. ولعلَّ هذا التوجُّه الذي تبنَّاه الكثيرون في مجال الأعمال والسياسة والصناعة، بل والصحة، ليس واهيًا فحسب، بل قد ينطوي على خطورة كذلك.
يمكننا أن نُدرك من خبرتنا اليومية تلك الفائدة المهولة التي تمدُّنا بها ليلةٌ من النوم، وقد دعَّم هذا الشعورَ الذاتيَّ كمٌّ كبير من الأدلة العلمية المتزايدة التي سنستعرض بعضَها في هذا الكتاب. وبعيدًا عن الشعور بالراحة والتحسُّن الذي يمنحنا إياه النوم، فإنه يساعد عقلَنا على التوصُّل لحلول مبتكرة لما نُواجِه من مشكلات يومية. ويزخر التاريخ بالقصص والمواقف التي استيقظ فيها علماء وفنانون ليقدِّموا أفضل الحلول والإسهامات بعد فترات طويلة من الإحباط. فقد تمكَّن فريدريش أوجست كيكوليه من التوصل إلى البنية الكيميائية الحلقية للبنزين بعدَ أنْ رأى في حُلْمه الصورة الشهيرة لثعبان يَعَضُّ ذيله؛ وتمكَّن أوتو لوفي من وضْع مبدأ النقل العصبي الكيميائي الذي نال عنه جائزة نوبل، وكذلك تمكَّن ديميتري مندليف من ترتيب العناصر الكيميائية في الجدول الدوري للعناصر. أما في مجال الفنون، فهناك روبرت لويس ستيفنسون الذي جاءتْه فكرة كتابة روايته الشهيرة «قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة» بعدَ استيقاظه من النوم، وبالمثل يُقال إن صامويل تايلور كولريدج قد استلهم فكرة قصيدة «قوبلاي خان» من حلم رآه — وإن كان الحلم قد راوَدَه بعدَ تعاطِي الأفيون — مثلما حدث مع سوناتا جوزيبي تارتيني الشهيرة على الكمان والمعروفة باسم «رعشة الشيطان». كان سلفادور دالي مهووسًا بالقدرات الإبداعية للنوم، بينما تمكن ريتشارد فاجنر — ربما أكثر من أي فنان آخر — من استغلال النوم في استلهام مؤلفاته الموسيقية وليقدم له الفكرة الرئيسية لجميع أعماله الأوبرالية.


الطريقة التي نتعامل بها اليوم مع النوم فظَّة للغاية؛ فالبالغون ينامون في المتوسط قرابة ٧ ساعات كل ليلة، و٥٪ ينامون أقل من ٥ ساعات، و٦٪ ينامون أكثر من ٩ ساعات (الشكل ١-١). وفي المقابل، تشير بعض التقارير التاريخية إلى أننا كنا ننام فترات أطول في الماضي. وفي ليالي الشتاء الطويلة، كان النوم يستمر غالبًا لفترات طويلة من الزمن مقسمة إلى نوبتين — أو ربما أكثر — من النوم يفصلهما فترات من الراحة اليقظة. وربما كنا في عصور ما قبل الثورة الصناعية نحصل على قسط من النوم يصل إلى ١٠ ساعات يوميًّا اعتمادًا على فصول السنة. وتؤكد التجارب الحديثة صحة هذه الأفكار؛ فإذا ما أُلزِم الأفراد باتباع التوقيت الشتوي (حيث يطول الليل ويقصر النهار) فإنهم يحصلون على قسط من النوم أطول من ذلك الذي يحصلون عليه عند اتباعهم التوقيت الصيفي. وإذا حصل الخاضعون للتجربة على فرصة للنوم لفترات أطول، فإن الأمر ينتهي بهم إلى الحصول على فترة ثابتة من النوم تُقدَّر بنحو ٨ ساعات ونصف، بين البالغين من الشباب، ومدة ٧ ساعات ونصف بين البالغين الأكبر سنًّا؛ أي أكثر مما يحصل عليه معظم الناس حاليًّا. وكان لاستحداث الإضاءة بالكهرباء في القرن التاسع عشر، وتغير ساعات العمل والأنظمة الاجتماعية بسبب الثورة الصناعية، أثر في انفصال جنسنا البشري على نحو متزايد عن الدورات الطبيعية لليل والنهار التي قوامها ٢٤ ساعة (انظر الفصلين الثامن والتاسع).


بيانات الكتاب

الأسم : النوم
المؤلف : ستيفن دبليو لوكلي
المترجم :نهى بهمن
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



نحن جميعًا ذاهبون لقضاء عطلة صيفية
لقد قمنا جميعًا بزيارة رومانسية لباساي. ربما لم نذهب قطُّ إلى اليونان؛ ولكننا جميعًا فتحْنا كتيباتٍ سياحيةً ونظرْنا إلى ملصقات وصور، وفي مخيلتنا قُمنا برحلة إلى المعبد في الجبال.
تحْمل كلمة «اليونان» الآن معاني كثيرة، ولا شك أنها تحمل من المعاني أكثر مما كان عليه الحال قبل
قرنين من الزمان؛ فهي بلاد الشمس والشواطئ، وملذات شاطئ البحر؛ هي بلاد لا تُلقي للوقت بالًا؛ حيث تجد كبار السن من الرجال يجلسون لساعات على المقاهي يشربون الأوزو ويلعبون الطاولة، وهي بلاد لا تزال تنتشر فيها تقاليد الضيافة في أوساط الفلاحين. ولكنَّ جزءًا أساسيًّا من تصورنا لليونان هو مزيج خاص من أنقاض العالم القديم والمناظر الطبيعية الجبلية الوعرة التي تكاد تطغَى على كل صورة لباساي. قد يكون هناك بالفعل العديدُ من البقاع الأخرى من العالم يمكننا أن نجد فيها مشهدًا مماثلًا؛ فهناك مثلًا مواقع في جبال تركيا تشبهها كثيرًا. ولكن، بالنسبة لنا، فإن صورة باساي تلك ترمز إلى «اليونان». ولسنا بحاجة إلى شرح على الصورة ليبين لنا أين هي.


في الوقت نفسه، ذلك المشهد اليوناني يمثل التراث الكلاسيكي؛ ففي أوروبا كلها، وكذلك في أجزاء من أفريقيا وغرب آسيا، تنتشر بقايا الماضي الكلاسيكي. وفي كل منطقة كانت يومًا جزءًا من الإمبراطورية الرومانية، من اسكتلندا إلى صحراء أفريقيا، لا تزال هناك آثار مادية لتاريخها القديم. يقع بعض أفضل ما بقي من المدن الرومانية في صحراء تونس؛ حيث توجد منازل ومعابد ومدرجات، وفسيفساء تفوق ما تبقى من بومبي، ولا يزال أثر مثل سور هادريان يعطي انطباعًا قويًّا؛ إذ يقطع بوضوح شمال إنجلترا، في الموضع الذي كان يومًا ما يمثِّل الحدَّ الروماني بين العالم المتحضر والأراضي البربرية. ورغم كل ذلك، فإنَّ تصوُّرَنا للعالم القديم لا يزال محصورًا في تلك الصورة للمعبد اليوناني في بيئته الجبلية البرية.
كلَّ صيف يقوم الآلاف من الناس بزيارة لباساي (وتنطق أيضًا باسيه أو فاساي)، فيُحِيلوا تلك الرحلة الرومانسية التي في مخيلتهم إلى جولة واقعية ملموسة. باساي هي أحد أكثر الأماكن جذبًا لأي مسافرين في رحلة عبر شبه جزيرة بيلوبونيز. في السنوات الأولى من القرن العشرين، عندما كان المرء يضطر إلى ركوب البغال في رحلته، فُتِنَ أكاديميٌّ من أكسفورد (هو إل آر فارنيل، مؤلف الدراسة الكلاسيكية عن الدين في مختلف المدن اليونانية) بجمال كل شيء فيها، لدرجة أنه قال إن زيارته تلك جعلتْه يشعر بأنه «أَشبعَ معظَمَ تطلعاته الدنيوية». ومن بعده جاء إتش دي إف كيتو، المعتنِق لمبدأ وحدة الوجود، الذي عمل أستاذًا لليونانية في بريستول لمدة طويلة في منتصف القرن العشرين، ليروي مقدارَ ما شعر به من مرارةٍ وخيبة أمل لأنه لم يأتِهِ وحيٌ من أبوللو في منامه في ليلة تمام البدر خارج معبد باساي. أما اليومَ فباساي هي نقطةُ توقُّفٍ للرحلات البحرية التي تطوف الجزر اليونانية (وتقضي النهار في الميناء)، أو طريقٌ فرعيٌّ مريحٌ للرُّحَّال الذين يكتشفون اليونان «البِكْر». وقلما تجد دليلًا حديثًا يتوقع واضعوه أنك ستغفل زيارة باساي، بل تجدهم يشرحون لك كيفية القيام بتلك الزيارة وما سوف تجده هناك


بيانات الكتاب

الأسم : التراث الكلاسيكي
المؤلف : ماري بيرد
المترجم :محمد فتحي خضر
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



نحن نستخدم طوال الوقت كلمتَي «أرستقراطية» و«أرستقراطي»، ونَمِيل إلى استخدامهما في وصف المجموعات أو المؤسسات أو السلوكيات التي نراها متفرِّدة وراقية ومفاخِرة، وفي أغلب الأحيان ثريَّة. وفي أحيان كثيرة، يكون هذا الاستخدام مقرونًا بنبرة إعجاب. هذه الدلالات مستمدَّة من مزاعم ظهرت
منذ وقت طويل على يد النُّخب الاجتماعية التي سيطرت على المجتمعات الأوروبية وأنظمة السلطة منذ العصور القديمة وحتى وقت قريب نسبيًّا. في أوروبا، توجد آثارهم في كل مكان من حولنا، ونحن نتعرَّف على هذه الآثار بالغريزة، بل وأحيانًا نعتزُّ بها، رغم أننا لم نعُد نمنحها الاحترام المطلَق الذي كان أصحابها يطالِبون به في وقتٍ ما.
كان الهدف من هذه الآثار عادةً هو التأثير في الآخرين. وهي ما زالت تؤدِّي هذا الدور، رغم أن الجمهور المستهدَف من التابعين قد اختفى منذ وقت طويل. ومع هذا، فإنَّ واجِهَاتِها الواثقة عادةً ما تُخفي أكثر بكثير مما تُظهر؛ فقد كانت الهيمنة الأرستقراطية دومًا أكثر تقلقُلًا وأقل ثقةً مما كانت تحب أن تبدو عليه. كذلك كان السلوك الأرستقراطي أقل صلاحًا وخلوًّا من العيوب مقارنةً بالمبادئ النبيلة التي يُفترض أنها توجِّهه. في الواقع، تاريخ الطبقات الأرستقراطية عامرٌ بخرافات تخدم مصالحها الشخصية، أَظْهَرَ غير المنتمين لهذه الطبقات استعدادًا مثيرًا للدهشة لتقبُّلها دون نقدها. وقلَّما تُقدِّم نتائجُ الأجيال الجديدة من الأبحاث والدراسات التاريخية مبرِّرًا للاستمرار في القيام بهذا. وهذا الكتاب الصغير — القائم على سنواتٍ من التدريس والكتابة عن الأرستقراطيين وأساليبهم — يسعى إلى دمج هذه النتائج في دراسة مستقلة عن كيفية تنظيمهم لأنفسهم وممارستهم للسُّلطة، وفي النهاية عن كيفية فقدانهم لهذه السُّلطة.


يتتبَّع الفصل الأول تاريخ مصطلح الأرستقراطية وتطوره، ويحاول تقديم عناصر تعريف موضوعي لها، أما الفصل الثاني فيدرس وجهات النظر الشخصية للأرستقراطيين أنفسهم. هذا ويدور الفصل الثالث حول معايير السلوك الأرستقراطي، في حين يسلِّط الفصل الرابع الضوء على بعض الطرق التي أثَّر بها الأرستقراطيون بمبادئهم وسلوكياتهم على باقي أفراد المجتمع غير المنتمين لطبقتهم الاجتماعية. إن أهم شيء بشأن الطبقات الأرستقراطية — من منظور القرن الحادي والعشرين — هو أنها قد اختفت، وكذا تأثيرها، إلى حدٍّ كبير، وعليه يدور موضوع الفصل الأخير حول كيفية حدوث هذا، رغم أنها — على مرِّ القرون — واجهت كثيرًا من التحديات الأخرى وتغلَّبت عليها.


بيانات الكتاب

الأسم : الأرستقراطية
المؤلف : ويليام دويل
المترجم :زينب عاطف
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م




هناك أشياء بالتأكيد خارج نطاق سيطرتك. فما حدث في الأزمنة التي سبقت مولدك، وطبيعة الكون الذي تعيش فيه؛ من الأشياء التي يستحيل أن تكون تحت سيطرتك. وكذلك يقع خارج نطاق سيطرتك
الكثير من سماتك الخاصة، ومنها أنك إنسان وسوف تموت، ولون عينيك، وماهية الخبرة التي تقودك الآن إلى ما تعتقده بشأن بيئتك المحيطة، وحتى الكثير من الرغبات والمشاعر التي تنتابك الآن.
لكن هناك أشياء أخرى تتحكم فيها، وهذه هي أفعالك الحاضرة والمستقبلية. فأشياء مثل تحديد هل ستقضي الساعات القليلة القادمة في القراءة بالمنزل أو الذهاب إلى السينما، والمكان الذي ستذهب إليه في إجازة هذا العام، وهل ستصوِّت في الانتخابات القادمة أم لا، ولمن ستعطي صوتك، وهل ستستمر في عملك المكتبي أم ستتركه لتتخذ الكتابة مهنة لك؛ كلها أشياء تتحكم فيها بالفعل. وأنت تتحكم فيها؛ لأنها تتشكل في الأساس من أفعالك المتعمدة أو تعتمد عليها؛ الأفعال التي يئول الأمر إليك في أن تفعلها أو تمتنع عن فعلها. وبوصفك شخصًا بالغًا طبيعيًّا وسليم العقل، فإن طريقة تصرفك ليست شيئًا تفرضه عليك أحداث الطبيعة أو الأشخاص الآخرون فحسب. فعندما يتعلق الأمر بأفعالك الشخصية، تكون أنت المتحكم في ذلك.


وهذه الفكرة المتعلقة بكوننا متحكمين في طريقة تصرفنا — أو ما يمكن أن نطلق عليه أيلولة أفعالنا إلينا — هي فكرة نتشارك فيها جميعًا. وهي سمة ثابتة وأساسية في تفكيرنا، وبإمكاننا جميعًا تمييزها. والفكرة جذابة بدرجة لا تقاوَم. فمهما كان قدر التشكك الذي قد نصبح عليه عند التعامل مع الأمور الفلسفية، فإننا ما إن نعود أدراجنا إلى الحياة العادية حتى نستمر جميعًا في التفكير في أن الطريقة التي نتصرف بها تئول إلينا. والتفكير في أنفسنا بوصفنا متحكمين في الطريقة التي نتصرف بها هو جزء مما يمكِّننا من رؤية الحياة باعتبارها شيئًا قيِّمًا للغاية. وعلى قدر استطاعتنا توجيه طريقة تصرفنا والتحكم فيها، فإن حياتنا سوف تعكس — حقًّا — إنجازنا أو فشلنا. ويمكن لحياتنا أن تكون مِلكًا لنا؛ ليس أن نستمتع بها أو نتحملها فحسْب، بل أن نصنعها ونوجهها بأنفسنا.
أو هكذا نظن. لكن هل نتحكم حقًّا في أفعالنا؟ هل طريقة تصرفنا تئول إلينا حقًّا مثلما أن بعض الأشياء كالماضي، أو طبيعة الكون، أو حتى الكثير من معتقداتنا ومشاعرنا ليست خاضعة لها؟ والمشكلة المتعلقة بكوننا متحكمين دائمًا في طريقة تصرفنا، وما ينطوي عليه هذا التحكم، هي ما يطلق عليه الفلاسفة مشكلة الإرادة الحرة.
إنها بالفعل مشكلة حقيقية. ومهما بدت فكرة تحكمنا في أفعالنا مألوفة، فلا يوجد شيء مباشر أو صريح بشأنها. فالأسئلة الخاصة بكوننا نتحكم في الطريقة التي نتصرف بها أم لا، وما الذي يتطلبه هذا التحكم وينطوي عليه، وهل من المهم أن يكون لدينا هذا التحكم ولماذا؛ كلها تلخِّص واحدة من أقدم وأصعب المشاكل في الفلسفة.


بيانات الكتاب

الأسم : الإرادة الحرة
المؤلف : توماس بينك
المترجم :ياسر حسن
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



إنَّ نمونا وتطوُّرنا مِن خلية واحدة، هي البويضة المخصَّبة التي يَبلغ قطرُها جزءًا من عشرة أجزاء من الملِّيمتر — أي إنها أصغر من نقطة علامة الوقف — لَهُو أمرٌ مذهلٌ بحق. لدى تلك البويضة جميع المعلومات اللازمة كي تنموَ إلى أن تصبح إنسانًا. وعلى الرغم من أننا نفهم العديد من آليات هذا التطور،
لا يزال هناك الكثير من الأشياء التي يكتنفها عدم اليقين.
لزمنٍ طويل، أَخْفَتْ تلك البنيةُ التي تنشأ عن انقسام البويضة — والتي تحمل الآن اسم الجنين — إنجازاتِها. بدأ المنهج العلمي في تفسير نمو الجنين وتطوُّره مع أَبُقراط في اليونان، في القرن الخامس قبل الميلاد؛ حيث استخدَم الأفكارَ المتوافرةَ في ذلك الوقت لمحاولة تفسير التطور في ضوء كلٍّ من الحرارة والرطوبة والتجمد. وبعد نحو قرن من الزمان، صاغ الفيلسوف اليوناني أرسطو سؤالًا قُدِّر له أن يسيطر على معظم الأفكار حول النمو حتى نهاية القرن التاسع عشر. أخذ أرسطو في الاعتبار احتمالين؛ أحدهما أن كلَّ شيء في الجنين قد سبق تكوينه منذ البداية، وبكل بساطة أخذ يكبر في الحجم أثناء نمو الجنين. والاحتمال الثاني — الذي كان يفضِّله — هو ظهور بنًى جديدة نشأت تدريجيًّا عن طريق عملية سمَّاها التخلُّق المتوالي، وشَبَّهَهَا مجازيًّا ﺑ «غزل الشبكة». ظلَّت أفكاره مهيمنة لفترة طويلة، حتى مرور عدد لا بأس به من سنوات القرن السابع عشر، إلى أنْ ظَهَر رأيٌ مخالف يقول إن الجنين قد تحدَّد تشكيله سابقًا منذ بدايته. كان الكثير من الناس لا يستطيعون تصديق أنَّ القوى الطبيعية أو الكيميائية يمكنها أن تشكِّل كائنًا حيًّا، مثلنا نحن البشر، بَدْءًا من الجنين. كان الاعتقاد بأن جميع الأجنَّة لها وجود سابق منذ بداية العالم يسير جنبًا إلى جنب مع الاعتقاد بالخلق الإلهي للعالَم وجميع الكائنات الحية. لم يكن من الممكن حل المشكلة حتى تَحقَّق أحد أعظم الإنجازات في علم الأحياء في نهاية القرن التاسع عشر؛ وهو التسليم بأن الأشياء الحية — بما فيها الأجنَّة — تكوَّنت من خلايا، وأن الجنين تطوَّر من خلية واحدة؛ هي البويضة. تأتي كل الخلايا لدى البالغين من تلك البويضة المخصَّبة بعد انقسامها مراتٍ عديدة. أحد الإنجازات المهمة الأخرى كان اقتراح عالِم الأحياء الألماني أوجست وايزمان أن الذُّرية لا ترث خصائصها من جسم الأب، وإنما من الخلايا الجنسية فقط؛ أيِ البويضات والحيوانات المنوية. ثم في وقت لاحق جاء اكتشاف الحمض الريبوزي النووي المنزوع الأكسجين (الدنا) والجينات وكيف أن هذه الجينات تشفِّر البروتينات، التي تقوم بالتبعية بتحديد سلوك الخلايا.


أثارت تجربة هانز دريش منذ أكثر من ١٠٠ عام مضت مشكلةً كبيرةً؛ وذلك عندما فَصَلَ خَلِيَّتَيْ جنينِ قنفذ البحر بعد بداية انقسام إحداهما عن الأخرى، ونَمَتْ كلُّ واحدةٍ منهما إلى يَرقة طبيعية ولكنْ أصغر في الحجم (الشكل ١)؛ ومن ثم، كان لدى هذا الجنين المبكر خصائصُ شبه قيادية؛ فكان نمط خلاياه هو نفسَه لكنه موزَّع عبر نطاق مختلف من الأحجام. كما كان ذلك أيضًا أولَ بيان واضح للعملية النمائية المسماة باسم «التنظيم» — وهي قدرة الجنين على استعادة النمو الطبيعي حتى إذا أُزيلَت بعض الأجزاء أو أُعيدَ ترتيبها في وقت مبكر جدًّا من النمو — وقد بينتُ أن مصير الخلايا لا يكون محددًا في مرحلة مبكرة. تنطبق هذه القدرة على النمو بطريقة طبيعية — حتى إذا كان الجنين المبكر أصغر — على التوءمين المتطابقين للإنسان عندما ينقسم الجنين المبكر إلى قسمين.


بيانات الكتاب

الأسم : علم الأحياء النَّمائي
المؤلف : لويس ولبرت
المترجم :علي حسن السرجاني
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



عندما رحل رولان بارت عن عالمنا عن عمر يناهز الخامسة والستين، كان أستاذًا في كلية كوليج دو فرانس، وهو أعلى منصب في النظام الأكاديمي الفرنسي. كان بارت قد اشتُهِر بتحليلاته الثاقبة غير المبجِّلة للثقافة الفرنسية، غير أنه تحول هو نفسه الآن إلى مؤسسة ثقافية. كانت محاضراته تجتذب
جمهورًا ضخمًا ومتنوعًا، بداية من السياح الأجانب والمعلمين المتقاعدين وحتى الأكاديميين المرموقين. وعرفت تأملاته حول جوانب الحياة اليومية طريقها إلى الصحف. أما «شذرات من خطاب في العشق»، وهو كتاب في «بلاغة» العشق، فقد أصبح أحد الكتب الأكثر بيعًا وتم تحويله إلى عمل مسرحي.

وفي خارج فرنسا، كان بارت فيما يبدو هو خليفة سارتر باعتباره المفكر الفرنسي الأبرز، وقد تُرجِمت أعماله وقُرِئت على نطاق واسع. وقد أطلق عليه واين بوث، أحد خصومه في ميدان النقد، «الرجل الذي لعله يتمتع بالتأثير الأقوى على النقد الأمريكي في يومنا هذا.» بيد أن مقروئيته تجاوزت كثيرًا نطاق زمرة نقاد الأدب.1 كان بارت شخصًا ذا مكانة دولية مرموقة؛ إذ كان «أستاذًا معاصرًا»، لكنه أستاذ في أي مجال؟ وما دواعي الاحتفاء به؟


تعود شهرة بارت، في حقيقة الأمر، إلى أسباب متناقضة، فهو بالنسبة إلى كثيرين بنيويٌّ قبل أي شيء آخر، بل لعله كان «البنيوي» المدافع عن مقاربةٍ منهجيةٍ وعلميةٍ للظواهر الثقافية. وباعتباره المناصر الأبرز للسيميوطيقا — أي علم العلامات — فقد وضع أيضًا الخطوط العريضة ﻟ «علم أدب» بنيوي.
أما بالنسبة إلى آخرين، فهو يعد رمزًا للمتعة وليس للعلم؛ متعة القراءة وحق القارئ في أن يقرأ بطريقة فريدة تخصه وحده، من أجل ما يجده فيها من متعة؛ ففي مواجهة نقد أدبي يركز على المؤلفين — يُعنى باستخلاص ما فكَّر فيه المؤلفون أو قصدوه — يقف بارت في صف القارئ ويدافع عن أدب يمنح القارئ دورًا فعالًا وخلاقًا.
علاوة على ذلك يُشتَهر بارت بدفاعه عن الطليعة، فعندما اشتكى النقاد الفرنسيون من أن روايات آلان روب-جرييه وغيره من كُتَّاب تيار «الرواية الجديدة» غير صالحة للقراءة — لكونها خليطًا من الأوصاف المشوشة يخلو من أي حبكة يمكن فهمها أو شخصيات مثيرة للاهتمام — فإن بارت لم يكتفِ بالثناء على هذه الروايات وحسب، رابطًا بذلك حظوظه بحظوظها، بل ذهب أيضًا إلى أن غايات الأدب تتحقق كاملةً على الوجه الأمثل من خلال أعمال «غير صالحة للقراءة» تتحدى توقعاتنا. ففي مقابل التوصيف «قرائي» — الذي يصف الأعمال الخاضعة للشفرات التقليدية وأنماط المعقولية — يطرح بارت التوصيف «كتابي»؛ ليصف الأعمال التجريبية التي لا نعرف بعدُ كيف نقرؤها لكن يمكننا فقط أن نكتبها، ولا بد لنا من أن نكتبها بالفعل ونحن نقرؤها.

بيانات الكتاب

الأسم : التطوُّر
المؤلف : جوناثان كولر
المترجم :سامح سمير فرج
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م




مَن هو ألكسي دي توكفيل؟ هو، بالتأكيد، كاتب صاحب أسلوب بارع، لكنه كاتب أعمال غير قصصية يتحدث عن الحقيقة والواقع بعبارات آسِرة وصياغات جذابة. هو أيضًا عالم اجتماع، لكنه لم يستخدم المنهجيةَ المعقدة والحيادَ غير التدخُّلي والموضوعيةَ المصطنعة التي يستخدمها علماء الاجتماع اليومَ.
وقد كان مدافِعًا عن السياسة ومُصلِحًا فيها في نفس الوقت، متَّبِعًا المنهج العلمي في بعض الأحيان، لكن دون أن يسمح لهذا المنهج العلمي بأن يتعارض مع هدفَيْه السابقين. هل كان مؤرِّخًا؟ نعم؛ لأنه كَتَبَ عن الديمقراطية في أمريكا، التي كانت حينها وما زالت حتى الآن مهدَها الأساسي، وكَتَبَ كذلك عن النظام القديم في فرنسا، الذي كان — بحسب قوله — يرى أن الديمقراطية بدأت فيه؛ والمدهش أن هذا كان في شكل حكم رشيد من قِبَل نظام ملكي. لم يكن يكتب مثل المُنظِّرين المنفصلين عن الزمان والمكان، غير أنه كان يسعى دائمًا وراء الأسباب ولم يكن مجرد سارِدٍ للأحداث، وقد اختار كذلك أن يكتب عن أهم الأحداث، أو «الأسباب الأولى»، على حد زعمه. هل كان فيلسوفًا؟ هذا سؤال صعب، على الرغم من أن الكثيرين ممَّن يربطون بين الفلسفة والنظام السياسي سيجيبون على هذا السؤال بالنفي، أما أنا فأرى أنه يحمل من سمات الفلاسفة أكثر مما يبدو. يمكننا الاتفاق على أنه «مفكِّر»، على الرغم من أنها كلمة غير معبِّرة إلى حدٍّ كبير عن شخصٍ كانت لديه شكوكٌ تجاه الفلسفة.
هل كان رجلًا عظيمًا؟ هذا مؤكد؛ هو رجل عظيم لنفاذ بصيرته، وأيضًا لأنه أخذ على عاتقه تفسير العظمة في عصر ديمقراطي في الوقت الذي كانت فيه محلَّ هجومٍ أو ببساطةٍ مُغفَلةً تمامًا. إنه رجل عظيم ربط بين الديمقراطية والحرية من جهة، والعظمة من جهة أخرى.



لقد وصف توكفيل نفسه بأنه «ليبرالي من نوع جديد». أما اليوم، فهو غير معروف باعتباره ليبراليًّا، كما هو الحال بالنسبة إلى صديقه جون ستيوارت ميل، الذي ألَّف كتابًا عنوانه «عن الحرية» لتفسير المبادئ الليبرالية وتأييدها. يبدو أن توكفيل كان يميل أكثر للوصف والتحليل بصفته عالم اجتماع، غير أن أسلوبه كان بارعًا. وعلى الرغم من أن أعماله كانت تزخر بالرؤى الكاشفة، فإن أفكاره نَبَعَت من رصد الحقائق بدلًا من أن تظهر مرتَّبةً على نحوٍ منهجي في تسلسُل الحجج. لكنني سأحاول أن أحافِظ له على الوصف الذي أطلقه على نفسه، وأوضِّح أنه يستحق المرتبةَ الأعلى بين الليبراليين؛ فقط لأنه لم يكن مُنظِّرًا كما يريد عادةً الليبراليون أن يكونوا.
إذا كان توكفيل ليبراليًّا من نوع جديد، فهذا يعني أن الليبرالية نفسها ليست شيئًا جديدًا. صحيح أن كلمة «ليبرالي» قد بدأ استخدامها فقط في عصر توكفيل، لكن كان أساس تلك الليبرالية قبل ظهورها موجودًا في معتقدات المُنظِّرين السياسيين المُحدثين في القرن السابع عشر، وبالأخص توماس هوبز وباروخ سبينوزا وجون لوك، الذين جعلوا الأساسَ الذي انطلقوا منه هو أن الإنسان حر بطبيعته. لقد كانوا يقصدون أنه قبل أن يصبح الإنسان جزءًا من مجتمع أو نظام سياسيٍّ ما، لا بد أنه كان في حالة مجردة (أي «الحالة الطبيعية»)؛ حيث كان حرًّا في اختيار المجتمع الذي قد يرغب في الانضمام إليه ونظامه السياسي. لا يَعتقد توكفيل أن الإنسان بدأ في تلك الحالة التي كان فيها «كامل الحرية»، بحسب قول لوك، ولا يَعتقد أن الحرية سبقت السياسة. يبدو أن توكفيل كان يتفق بدلًا من ذلك مع أرسطو، وهو الفيلسوف القديم الذي عارضه المُنظِّرون المحدثون هؤلاء، والذي قال إن «الإنسان بطبيعته حيوان سياسي»، قاصدًا أن الحرية الإنسانية تضرب بجذورها في السياسة، وليس في حالة طبيعية أصلية سابقة على السياسة.


بيانات الكتاب

الأسم : توكفيل
المؤلف : هارفي سي مانسفيلد
المترجم :مصطفى محمد فؤاد
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



كان يوجد صنفان من المستعمرات، وكلاهما هدفه خدمة مصالح البلد المُستَعمِر، لا مصالح المُستعمَرة. كان القصد الأساسي من أحدهما استغلال عمالة المستعمَرة وموادِّها الخام وثرواتها. أما الثاني، فكان الهدف منه الاستيطان؛ إما للتخلص من الزيادة السكانية، وإما كأماكن لإرسال غير المرغوب فيهم إليها. والمستعمرات مهمة بالنسبة لليوتوبية من حيث إنها مثَّلت أحلامًا يوتوبية، لكن أيضًا بسبب أنه — إجمالًا
— كُتبت يوتوبيات أدبية، وأُنشئت مجتمعات مقصودة فيها أكثر من البلاد التي أنشأتها. وكان للمستعمرات تأثيرات على السكان الأصليين، واختلف تفسير تلك التأثيرات على مرِّ الزمن، وحسب القائم بالتفسير.
(١) مستعمرات المستوطنين
التفسير النموذجي لعملية الهجرة إلى مستعمرات المستوطنين هو أن الناس يخرجون من بلدهم الأم، بسبب الفقر والمرض وغيرهما من الظروف المحلية، ويستوطنون البلد الجديد تحدوهم الرغبة في الحصول على حياة أفضل، أو الأمل في القدرة على ممارسة معتقداتهم السياسية أو الدينية. عَرَض جيمس بالتش (المولود عام ١٩٥٦) في كتابه «إعادة إعمار الأرض» (٢٠٠٩) أن هذه الصورة شديدة البساطة. ولكن أيضًا في الحقيقة من بداية القرن السابع عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر، كان الناس يَتركون بلادهم ويسافرون، في بعض الحالات لمسافات طويلة حول العالم، عاقدين الأمل على أن يتمكنوا من أن يعيشوا حياة أفضل مما أُتيح لهم في مسقط رأسهم. وجد البعض حياة أفضل في المكان الجديد، في حين لم يجدها البعض الآخر، فأقاموا في البلد الجديد في الظروف السابقة نفسها، أو في ظروف أسوأ منها، أو عادوا إلى بلدهم الأم، إلا أن الحلم بحياة أفضل، الذي قاد الكثيرين، كان يوتوبيًّا على نحو واضح، ومستعمرات المستوطنين كلها كانت وراءها أحلام يوتوبية. يمكن أن نجد مثالًا لذلك في الأغاني التي غناها المهاجرون، والتي وَصفت عادةً المكان الذي انتقلوا إليه بأوصاف يوتوبية. فعلى سبيل المثال، تُبيِّن الأغنية الأيرلندية «الولايات المتحدة الأمريكية العظيمة والحرة» الوصف اليوتوبي:
إن عملتَ في أمريكا،


فستتقلب في النعيم،
فلا توجد ضرائب ولا عُشر هناك
ولا إيجار يُثقل كاهلك،
إنه بلد حر وعظيم،
يرحب بكل البشر،
فهيا أبحِروا إلى أمريكا،
بأسرع ما يُمكنكم.
ووفرت أيضًا مستعمرات المستوطنين أو المهاجرين، رغم أن ذلك لم يكن جزءًا من القصد الأساسي، مساحةً لمختلف أنواع المنشقِّين، أغلبهم من الدينيين، لتجربة أفكارهم، غالبًا في مجتمعات مقصودة. كانت اليوتوبية محورية بالنسبة للهُوِيَّات الوطنية لنيوزيلندا والولايات المتحدة.
(٢) اليوتوبية الأصلية
لكن أحلام المستوطنين اصطدمت بتوقعات الأشخاص الذين كانوا يعيشون أصلًا في تلك البلاد، وأفرزت بوجه عام ديستوبيات حقيقية بالنسبة لهم. ضمت تلك الشعوب المستعمَرة ثقافات حضرية بالغة التطور لشعوب الآزتك والإنكا والمايا، إضافة إلى ثقافات غير حضرية؛ مثل السكان الأصليين لأستراليا، والماوري في نيوزيلندا، والشعوب الأولى والإنويت في كندا، والهنود الأمريكيين الأصليين في كندا والولايات المتحدة.
كان لهذه الشعوب كلها أساطير عن الخلق فسَّرت كيف نشأ العالم والكائنات التي تأهُلُه. وفي كثير من تلك الأساطير، كان الخلق الأول أفضل مما لحقه، وضمت الأساطير تفسيرًا لما وقع من إخفاق.
ولأن مستعمرات المستوطنين غالبًا ما دمَّرت — على نحو ممنهج — ثقافاتِ السكان الأصليين إلى جانب ذَبْحِهم، فلا نعرف عن أساطيرهم أو أحلامهم بالحصول على حياة طيبة سوى القليل جدًّا مقارنةً بما نعرفه عن أحلام المستوطنين. ولكن في بعض الحالات، توجد نسخ حديثة بُعثت من جديد، وأحيانًا ما تُضفَى عليها صبغة رومانسية من تلك الأحلام، والأبحاث الحديثة بصدد إطلاعنا على المزيد فيما يتعلق بأساطير وقصص تلك الشعوب. ونحن نتعلم أشياء جديدة كل يوم؛ لأنه في حقبةِ ما بعد الكولونيالية، الثقافاتُ التي تعرضت للقمع لكن لم تختفِ في واقع الأمر تُستكشف الآن هي والقصص القديمة. وقد كتب كاتب معاصر مجهول — تعُود جذوره إلى القبائل الهندية الأمريكية — يقول:

بيانات الكتاب

الأسم : اليوتوبية
المؤلف : لايمان تاور سارجنت
المترجم :ضياء ورَّاد
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget