Articles by "علوم"




هذا الكتاب مقدمة عن الفيروسات وُضعت لعموم القراء. يتناول الفصلان الأول والثاني تركيب الفيروسات وأنواعها وأماكن معيشتها وأسلوب حياتها والآثار التي تحدثها، بدءًا من آثارها في الفرد المصاب بالعدوى وصولًا إلى آثارها في الكوكب بأسره. يستعرض الكتاب بعد ذلك المعركة المتواصلة بين الفيروسات وجهاز المناعة لدى الفرد المصاب بالعدوى، يلي ذلك مجموعة من الفصول التي
تتناول العدوى بفئات معينة من الفيروسات، سواء أكانت حديثة الظهور، أم وبائية، أم جائحة، أم الكامنة داخل الجسم طيلة العمر، والتي قد يتسبب بعضها في إحداث أورام. وتبحث الفصول التالية بعد ذلك في مسألة كيف تطورت معرفتنا بالفيروسات عبر العصور، وكيف زادت الثورة الجزيئية الحديثة من قدرتنا على عزل فيروسات جديدة وتشخيص حالات العدوى الفيروسية وعلاجها. ويأتي الفصل الأخير من الكتاب كي يلقي نظرة تاريخية على النمط المتغير لحالات العدوى الفيروسية عبر العصور المختلفة، ويتكهن بالكيفية التي ربما يتفاعل من خلالها البشر مع الفيروسات في المستقبل.
تجنبت المؤلفة قدر استطاعتها استعمال المصطلحات المتخصصة والفنية في النص، ولكن كلما كان ذكر تلك المصطلحات أمرًا لا مفر منه، شرحت معناها في مسرد للمصطلحات. ويشمل هذا أيضًا أسباب تسمية الفيروسات بأسمائها الواردة. علاوة على ذلك، وردت في نهاية الكتاب قائمة بالمراجع والكتب المقترح مطالعتها لمزيد من المعرفة.

تطورت الميكروبات البدائية على كوكب الأرض منذ ما يقرب من ثلاثة مليارات عام، غير أن الإنسان لم يتمكن من عزلها إلا في أواخر القرن التاسع عشر، قبل أن يكتب هيلاير بيلوك قصيدة «الميكروب» بما يقرب من عشرين عامًا. ومع أن تلك القصيدة كتبت كنوع من الترفيه عن الناس، فإنها تعكس نزعة الشك التي سادت تلك الأزمنة. ولا بد أن الأمر استدعى وثبة إيمانية هائلة من الناس حتى يتقبلوا فكرة وجود كائنات حية دقيقة الحجم وكونها هي المسئولة عن الأمراض التي كانت حتى ذلك الحين تعزى إلى أسباب متنوعة مثل إرادة الآلهة، أو اصطفاف الكواكب على خط واحد، أو الأبخرة الوبائية المتصاعدة من المستنقعات والمواد العضوية المتحللة. وبالطبع، لم يتكون هذا الإدراك الجديد بين عشية وضحاها، لكن مع التعرف على المزيد والمزيد من أنواع البكتيريا المختلفة، ترسخت «النظرية الجرثومية»، ومع بدايات القرن العشرين صار مقبولًا على نطاق واسع حتى في الدوائر غير العلمية أن الميكروبات بإمكانها أن تسبب الأمراض.
كانت التطورات التقنية التي تحققت في صناعة الميكروسكوبات على يد صانع العدسات الهولندي أنتوني فان ليوفنهويك (١٦٣٢–١٧٢٣) في القرن السادس عشر من الأهمية بمكان لهذه الوثبة. كان هو أول من شاهد الميكروبات، غير أن الأمر مع ذلك احتاج إلى الانتظار حتى منتصف القرن التاسع عشر، عندما أجرى كل من لوي باستير (١٨٢٢–١٨٩٥) في باريس وروبرت كوخ (١٨٤٣–١٩١٠) في برلين أبحاثهما، التي شكلت فتوحات علمية كبرى وأكدت أن «الجراثيم» هي سبب الأمراض المعدية؛ ما أكسبهما عن جدارة لقب «الأبوين المؤسسين لعلم الميكروبيولوجيا (علم الأحياء الدقيقة)». كان باستير صاحب إسهام رئيسي في محو الاعتقاد الذي كان سائدًا في أذهان العامة وهو حدوث «تولد تلقائي»؛ بمعنى، تولُّد حياة من مادة غير عضوية. في ذلك الوقت، كان نمو الفطريات فوق أسطح الطعام والشراب المختزن يمثل مشكلة ذات أهمية خاصة. وقد شرح باستير أن بالإمكان منع هذا الأمر في حالة المرق بأن يُغلى أولًا، ثم يوضع بعد ذلك في غرفة مزودة بمرشحات تحجز خلفها أي مادة مكونة من جسيمات آتية مع الهواء. وأظهر هذا وجود «جراثيم» مجهرية الحجم يحملها الهواء. وعام ١٨٧٦، عزل كوخ أول فصيل بكتيري، «الجمرة العصوية»، وسرعان ما ابتكر وسائل لزراعة الميكروبات في المختبر.
وبدأت الأمراض التي كانت تصنع الرعب، كالجمرة الخبيثة والدرن والكوليرا والدفتيريا، تكشف عن أسرارها واحدًا تلو الآخر عندما حُددت الميكروبات المسببة لها واكتُشفت صفاتها. وصار من الواضح أن للبكتيريا تركيبًا مماثلًا لتركيب خلايا الثدييات، فمعظمها له جدار خلوي يحيط بسيتوبلازم يحوي بداخله جزيئًا واحدًا دائري الشكل ملتف حول نفسه من الحمض النووي. تعيش الغالبية العظمى من البكتيريا حرة، ما معناه أن في استطاعتها تصنيع جميع البروتينات التي تحتاجها بنفسها، وأن تمارس الأيض وأن تنقسم دون مساعدة من كائنات أخرى.

بيانات الكتاب


الأسم : الفيروسات
المؤلف :  دوروثي إتش كروفورد
المترجم : أسامة فاروق حسن
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 145 صفحة
الحجم : 9ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م




السرطان مرض شائع، بل هو شديد الشيوع. في عام ٢٠٠٨، شُخِّص المرض لدى ما يقرب من ١٢٫٧ مليون نسمة، توفي منهم ٧٫٩ ملايين شخص، فشكّلوا ما يقرب من ١٣٪ من إجمالي الوفيات في ذلك العام. وبالرغم من الاعتقاد أن السرطان مرض يصيب كبار السن في البلدان صاحبة الاقتصاد الأكثر ثراءً، فإن حوالي ٧٠٪ من تلك الوفيات وقعت في البلدان ذات الدخول المنخفضة أو المتوسطة. ويصيب السرطان كلا الجنسين وجميع الأعراق، الغنية منها والفقيرة على السواء. يخشى الناس من تشخيص المرض، إذ
يعتبره المصابون به (وكثيرًا ما يكون هذا الافتراض صائبًا) حكمًا بالإعدام. والمرض ذاته وعلاجه من الأسباب الكبرى للألم والاكتئاب. فعلاج السرطان عبء هائل على أنظمة الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم، ويعد المرض من الأسباب الرئيسية لفقدان القدرة الإنتاجية في القوى العاملة نتيجة للوفاة المبكرة. وسوف نلقي في هذا الفصل نظرة عامة على مشكلة السرطان، مع التركيز على بعض أنواع السرطان الأكثر شيوعًا حتى نوضح للقارئ حجم التباين في أعداد المصابين به في أنحاء العالم. وأي مرض يصيب هذا العدد الهائل من الأفراد ستكون له علاوة على ذلك آثار اقتصادية خطيرة، لهذا سنسلط في هذا الفصل أيضًا الضوء على بعض الأساليب التي تتفاعل من خلالها الخدمات الصحية مع الاقتصاد، وهي نقاط سوف نعرضها بمزيد من التفصيل في فصول لاحقة. وتلقي دراسة أنماط معدلات الإصابة بالسرطان ضوءًا مثيرًا للغاية على أسباب مرض السرطان (التي يتناولها الفصل الثاني بالتفصيل). أيضًا سوف نلقي الضوء على بعض الروابط الأكثر إثارة للدهشة في هذا الفصل.
تشكل رعاية مرضى السرطان والأبحاث التي تجرى عليه أيضًا عناصر مهمة في النشاط الصناعي. فنصف إجمالي العقاقير التي تستخدم في التجارب السريرية خاصة بالسرطان، وقد قُدِّرت السوق العالمية لجميع أدوية السرطان بقيمة ٤٨ مليار دولار عام ٢٠٠٨ بعد أن كانت ٣٤٫٦ مليارًا عام ٢٠٠٦. ويتوقع المحللون أن يتجاوز حجم النمو نسبة ١٠٪ سنويًّا في الفترة من عام ٢٠١٠ إلى ٢٠١٥. وفي كل عام تنفق الصناعة الدوائية ما بين ٦٫٥ إلى ٨ مليارات دولار على أبحاث أدوية السرطان وتطويرها. ويجعل هذا المبلغ ما تنفقه الحكومات والجهات البحثية الخيرية على تطوير الأدوية هزيلًا، ما قد يعني أن الأدوية الجديدة تتركز في المجالات التي تحقق أعلى تأثير تجاري، لا على تلك التي تؤثر في الصحة العامة. وتعد شركات الدواء صاحبة عقاقير السرطان الناجحة من كبرى المؤسسات التجارية على مستوى العالم. أما شركات التكنولوجيا الحيوية التي لا تمتلك منتجات رائجة، لكنها تعمل على نحو واعد للوصول إلى عقار للسرطان، فيمكن أن تبلغ قيمتها مليارات الدولارات لا لشيء إلا لاحتمال أن يُرخَّص هذا العقار في أي وقت لاحق كعلاج للسرطان. وهناك ما لا يقل عن ١٩ عقارًا مضادًّا للسرطان تجاوزت مبيعات كل واحد منها مليار دولار عام ٢٠٠٩، وهو رقم يشكل عبئًا جسيمًا على الأنظمة الصحية حتى في أكثر بلدان العالم ثراءً التي تتحمل عبء شراء تلك الأدوية لمرضاها.
على الجانب الآخر، فإن قدرة ما يقرب من ثلث عدد مرضى السرطان على الوصول إلى علاج فعال محدودة للغاية، وترتفع هذه النسبة في أفقر بلدان العالم إلى أكثر من نصف المرضى. وبمضينا قدمًا على هذا المنوال، ربما يصل بنا الحال — مع تزايد عدد كبار السن وارتفاع أسعار الأدوية — إلى وقت لا يتاح فيه العلاج الدوائي «الأكثر تطورًا» إلا للشريحة الأكثر ثراءً في أكثر النظم الاقتصادية ثراءً. بدلًا من ذلك، ربما يتيح تنبؤ أفضل بالاستجابة للعلاج خيارات علاجية موجهة لكل فرد على حدة، مما يقلل التكاليف الناتجة عن العلاج غير الضروري أو غير الفعال. فعلى عكس السيارات أو أجهزة الكمبيوتر مثلًا، التي نتوقع منها أن تؤدي عملها في كل مرة نستخدمها فيها، لا تنجح معظم أدوية السرطان إلا مع نسبة من المرضى. أما مرضى المراحل المتقدمة، الذين يكون الهدف من العلاج معهم تخفيف أعراض المرض أو تحسين جودة حياتهم، فربما تقل هذه النسبة كثيرًا عن ٥٠٪، ومن ثم فإن غالبية العلاجات قد تكون بلا فائدة، أو ما هو أكثر من ذلك في الواقع؛ إذ إنها قد تتسبب في آثار جانبية دون أن تحقق أي منفعة. لذا، فإن القدرة على تحديد المرضى الذين يحتمل أن يستفيدوا من العلاج قبل تقديمه لهم أمر بالغ الجدوى من ناحية التكلفة ومن الناحية العلاجية، ولهذا صار هذا الأمر موضع اهتمام رئيسي لأبحاث السرطان التي تجري حاليًّا (انظر الفصلين الرابع والخامس).
علاوة على ذلك، استحوذ السرطان على اهتمام جامعات العالم وأوساطه الأكاديمية. ففي عام ١٩٦١، تعهد جون كنيدي بإرسال إنسان إلى القمر بحلول نهاية ذلك العقد. وبعدها بتسع سنوات، سار نيل أرمسترونج وباز ألدرين فوق سطح القمر. وبعدها بعشر سنوات، في عام ١٩٧١، أطلق نيكسون تعهدًا مماثلًا بإعلانه «الحرب» على السرطان. وفيما يشبه كثيرًا «الحرب على الإرهاب» التي أُعلِنت حديثًا، فإن إعلان الحرب على مشكلة عالمية متعددة الأوجه لم يحقق سوى نجاح جزئي على أفضل تقدير. فتعهد نيكسون المبدئي كان بمبلغ يقترب من ١٠٠ مليون دولار، وكان هذا الرقم يبدو أشبه بثروة طائلة في ذلك الوقت، غير أنه تبين فيما بعد أنه بالكاد يعالج الأمر سطحيًّا فقط. ومنذ عام ١٩٧١، كان هناك المزيد من مليارات الدولارات التي أنفقت على الأبحاث، لكن بعد أكثر من ثلاثين عامًا، لا يزال السرطان واحدًا من أهم أسباب الوفاة في أنحاء العالم، إذ يصاب به حوالي شخص من بين كل ٣ أشخاص في البلدان المتقدمة، ويتوفى بسببه في البلدان الغربية واحد من كل خمسة أشخاص. من الواضح أن مداواة السرطان أصعب من «علم الصواريخ».
تنفق الدول بجميع أنحاء العالم مبالغ طائلة على أبحاث تدور حول أسباب السرطان وعلاجه. ففي عامي ٢٠٠٩ / ٢٠١٠، أنفق المعهد الأمريكي القومي للسرطان ٤٫٧ مليارات دولار على أبحاث السرطان، وكان المبلغ المناظر الذي أنفقته أوروبا حوالي ١٫٤ مليار يورو. وفي المملكة المتحدة، يعد أكبر منفق في هذا المجال «مؤسسة أبحاث السرطان بالمملكة المتحدة»، وهي واحدة من كبرى المؤسسات البريطانية الخيرية، التي حققت في عام ٢٠١٠ دخلًا سنويًّا من التبرعات يزيد عن ٥٠٠ مليون جنيه استرليني، مما يعكس الأهمية التي تُمنَح لمسألة البحث عن أسباب السرطان والعلاجات الناجعة له بين قطاع أكبر من السكان (غير أن المتلقي الأساسي للتبرعات العامة هو الحيوانات لا البشر!) وبالرغم من هذا الإنفاق الهائل على الأبحاث، فما زلنا لا نفهم بحق السبب وراء نسبة هائلة من أنواع السرطان. علاوة على ذلك، وبالرغم مما أُنفِق من مال على العقاقير وأبحاثها، نجد أن معظم من شفوا من مرضى السرطان، عولجوا إما بالتدخل الجراحي أو بالعلاج الإشعاعي، كما سنشرح في الفصل الثالث. أما العلاج الكيماوي وغيره من أساليب العلاج الأخرى الأحدث عهدًا، مثل الأجسام المضادة وحيدة النسيلة أو العلاجات «بالجزيئات الصغيرة» الموجهة، مع أن أهميتها في ازدياد مستمر، فلا تزال تشكل أقلية بين أساليب العلاج، وإن كان لها دور مهم في تخفيف الأعراض في الحالات المتقدمة من المرض.



بيانات الكتاب


الأسم : السرطان
المؤلف :  نيكولاس جيمس
المترجم : د. أسامة فاروق حسن
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 145 صفحة
الحجم : 9ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م




في مرحلة مبكرة من حياتنا يباغت أغلبنا هذا السؤال: «من أين جاء كل شيء؟» قد نتساءل أيضًا، أين كانت ذاتنا الواعية قبل أن نُولد؟ هل يمكنك أن تحدد ذكرياتك الأولى؟ عندما التحقتُ بالمدرسة لأول مرة، كنت أتذكر بوضوح أحداث العامين أو الثلاثة السابقة، لا سيما العطلات الصيفية التي قضيناها على شاطئ البحر، لكن عندما حاولت أن أسترجع الأحداث المبكرة في حياتي، غامت الرؤى متلاشيةً حتى العدم. قيل لي إن سبب هذا هو أنني وُلدت منذ خمس سنوات فحسب، في عام ١٩٤٥. في نفس الوقت، تحدث والداي
عن أحد الحروب، وعن أمور وقعت لهما قبل هذه الحرب، لكن لم يكن لهذا أي مدلول عندي؛ فالعالم الذي عرفته لمَّا يكن موجودًا حينها، وبدا لي أنه بدأ بمولدي، وأنه جاء مُجهزًا بآباء وكبار آخرين. كيف عاشوا «قبل» عالمي الواعي؟
ظل الفراغ الغريب الذي ابتلع كل شيء حتى عام ١٩٤٥ يزعجني، ثم وقع حدث عام ١٩٦٩ منحني منظورًا جديدًا لهذه المشكلة.
كانت أبولو ١٠ تحوم فوق سطح القمر، التي كشفت معجزة الاتصالات عن أنه أرض جرداء مهجورة من الصخور والحصى. كانت صحراء الغبار الرمادي هذه تمتد حتى أفق القمر، الذي أخذ شكلًا منحنيًا قبالة فراغ أسود مرصع بالنجوم المتناثرة؛ تلك الكرات الميتة من الهيدروجين التي تتفجر لينبعث منها الضوء. وسط هذه الصورة القاحلة، إذا بجوهرة زرقاء جميلة ذات سحب بيضاء وقارات خضراء من النباتات، ولأول مرة يشهد البشر ما يعرف ﺑ «شروق الأرض». ثمة مكان واحد على الأقل في الكون توجد به حياة، في صورة مجموعات هائلة من الذرات نُظمت على نحو يجعلها تملك وعيًا ذاتيًّا وقادرة على التحديق في الكون في تعجب.
ماذا لو لم تكن هناك حياة ذكية؟ بأي منطق كان سيوجد أي من هذا لو لم تكن هناك حياة تدركه؟ منذ عشرة مليارات عام كان من الممكن أن يكون الحال على هذا النحو: فراغ ميت يعج بسحب البلازما وكتل قاحلة من الصخور تدور في الفضاء الفسيح. مع أن حقبة «ما قبل الوعي» هذه خلت من الحياة، ولا بد أنها كانت أشبه بامتداد عظيم لنظرتي الخاصة عن الكون قبل عام مولدي التي تراقصت فيها الجاذبية دون أن يدري بها أحد، فإن الذرات نفسها التي وُجدت حينها هي نفسها التي نتكون منها نحن اليوم. نُظمت مركبات معقدة من هذه الذرات، التي كانت خاملة في السابق، لخلق ما نطلق عليه الوعي وصارت قادرة على أن تستقبل، من أطراف الكون البعيدة، ضوءًا بدأ رحلته في تلك الأوقات المبكرة الخالية من الحياة. وبمقدورنا في «حاضرنا هذا» أن نستدل على تلك الحقبة الميتة المبكرة، وهو ما يضفي عليها نوعًا من الواقعية. إننا لم نُخلق من العدم، وإنما من «مادة أصلية» أولية؛ من ذرات تكونت منذ مليارات السنين جُمعت لفترة زمنية قصيرة في أجساد البشر.
هذا يقود بدوره إلى سؤالي الأخير: ماذا لو لم يكن هناك حياة أو أرض أو كواكب أو شمس أو نجوم أو ذرات تتمتع بالقدرة على إعادة تنظيم نفسها إلى أشياء مستقبلية؛ ماذا لو كان هناك فراغ وحسب؟ بعد أن أزلت كل شيء من صورتي الذهنية عن الكون حاولت تخيل العدم المتبقي. وعندئذ اكتشفت ما أدركه الفلاسفة على مر العصور: من الصعب جدًّا التفكير في الفراغ. حين كنت طفلًا ساذجًا، لطالما تساءلت أين كان الكون قبل مولدي، والآن أحاول تخيل ماذا كان سيوجد ما لم أوُلد على الإطلاق. «إننا محظوظون لأننا سنموت»، ولن يتمتع العدد اللانهائي من الأشكال الممكنة للحمض النووي بالوعي أبدًا، خلا بضعة مليارات منها وحسب. ما الكون بالنسبة لأولئك الذين لن يولدوا أبدًا أو للأموات؟ كل الثقافات وضعت خرافاتها بشأن الموتى؛ إذ إنه من الصعب جدًّا القبول بأن الوعي يمكن أن يندثر بسهولة عندما تتوقف مضخات الأكسجين عن ضخ الأكسجين إلى المخ، لكن ما الذي يعنيه الوعي لتجميعات الحمض النووي التي لم ولن يكتب لها الوجود أبدًا؟
إن فهم كيفية بزوغ الوعي وموته يماثل في الصعوبة فهم كيفية نشأة شيء ما؛ مادة الكون، من العدم. أكان هناك فعل خلق أم أن شيئًا ما كان موجودًا على الدوام؟ أكان من الممكن حتى أن يوجد عدم إذا لم يكن هناك من يدركه؟ كلما حاولت فهم هذه الألغاز، شعرت أنني إما أقترب من الحقيقة أو أنني على حافة الجنون. مرَّت السنون، وبعدما قضيت حياتي عالمًا يحاول أن يسبر غور الكون، رجعت إلى هذه الأسئلة وقمت برحلة للعثور على الإجابات الموجودة. كانت النتيجة هي هذا الكتاب الصغير. أشعر بالإطراء حين أعرف أنني حين أوجه مثل هذه الأسئلة، فأنا بهذا أنضم إلى صحبة طيبة؛ ذلك لأن هذه الأسئلة طرحها بشكل أو بآخر بعض من أعظم الفلاسفة على مر العصور. علاوة على ذلك، لم يتفق الجميع على إجابة بعينها. من وقت لآخر، حين تسود إحدى الفلسفات على ما سواها، كانت الحكمة المكتسبة تتطور هي الأخرى. أيمكن أن يوجد خواء؛ حالة من العدم؟ يبدو أن إجابات هذه الأسئلة، شأن الأسئلة المتعلقة بوجود إله من عدمه، تعتمد على تعريفك لماهية العدم.
عندما تناول فلاسفة الإغريق القدامى هذه الأسئلة من خلال قوة المنطق، خرجوا علينا بآراء متعارضة. زعم أرسطو أنه لا يمكن أن يوجد مكان فارغ، بل ارتقى هذا الرأي إلى مقام مبدأ مفاده أن «الطبيعة تمقت الخواء». ما الذي يعنيه هذا؟ وما سبب سيادة هذا الظن لألفي عام؟ هذه من أوائل الأسئلة التي سأتناولها. في القرن السابع عشر، ومع بزوغ المنهج التجريبي، أدرك تلاميذ جاليليو أن هذا الاعتقاد يرجع إلى سوء تأويل للظواهر؛ إذ إن مقت الخواء ذلك إنما ينجم عن وجود الغلاف الجوي الذي يزن عشرة أطنان ويضغط على كل متر مربع من كل شيء موجود على الأرض، وهو ما يتسبب في إقحام الهواء في كل ثقب متاح.
كما سنرى لاحقًا، من الممكن إزالة الهواء من الأوعية وصنع فراغ. كان أرسطو مخطئًا. على الأقل هذه هي النتيجة لو لم يكن هناك سوى الهواء؛ فبإزالة الهواء سيُزال كل شيء. ومع تقدم العلم، واتساع مداركنا وحواسنا بواسطة وسائل أكثر تعقيدًا، بات جليًّا أنه ينبغي إزالة ما هو أكثر بكثير من الهواء وحسب للحصول على فراغ حقيقي. يرى العلم الحديث أنه يستحيل من حيث المبدأ صنع فراغ تام، لذا لعل أرسطو لم يكن مخطئًا في نهاية المطاف. ومع ذلك، لا يمانع العلماء المعاصرون في استخدام مفهوم الفراغ، ومن أحد تفاسير الفيزياء الحديثة أنها تصب جمَّ تركيزها على محاولة فهم طبيعة الفراغ، الزماني والمكاني، في أبعادهما المختلفة.

بيانات الكتاب


الأسم : العدم
المؤلف : فرانك كلوس
المترجم : فايقة جرجس حنا
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 164 صفحة
الحجم : 9ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م




كيف لا تفكِّر في الأعداد؟

إننا معتادون جميعًا على رؤية الأعداد مكتوبة، وعلى استقاء معنًى منها. مع ذلك فالرقم  والعدد الذي يمثله الرقم ليسا الشيء نفسه. فعلى سبيل المثال، في الأرقام الرومانية نكتب الرقم  بهذه الطريقة: VI، ولكننا نعلم أن هذا يشير إلى نفس العدد الذي يُكتب  في
الترقيم الحديث. ويشير الرمزان كلاهما إلى مجموعةٍ من الأشياء تتوافق مع علامات العد الست: I I I I I I. ولسوف نقضي بعض الوقت أولًا في دراسة الطرق المختلفة التي نستخدمها للتعبير عن الأعداد والتفكير فيها.
أحيانًا نحل المشكلات المنطوية على أعدادٍ دون إدراكٍ منَّا بحلها. على سبيل المثال، تصوَّر أنك تعقد اجتماعًا وترغب في ضمان حصول كل شخصٍ من الحضور على نسخةٍ من جدول الأعمال. يمكنك التعامل مع هذا الأمر عن طريق كتابة الحروف الأُولى من اسم كل شخصٍ سيحضر على نُسَخ الجدول، واحدةً تلو الأخرى. وما لم تنفد النسخ منك قبل أن تنتهي من هذه العملية فستعلم أن لديك عددًا كافيًا من النسخ لجميع الحضور؛ وبذلك تكون قد حللْتَ هذه المشكلة دون اللجوء إلى الحساب ودون العد المباشر على الرغم من اشتمال هذه العملية على الأعداد. فالأعداد تتيح لنا المقارنة الدقيقة بين مجموعةٍ وأخرى، حتى وإن كانت العناصر المكوِّنة للمجموعتين ذات طبيعةٍ مختلفةٍ تمامًا، كما هي الحال هنا؛ إذ تتكون إحدى المجموعتين من أشخاصٍ، بينما تتكون الأخرى من مجموعةٍ من الأوراق. إنَّ ما تسمح لنا الأعداد بالقيام به هو مقارنة الحجم النسبي لمجموعةٍ بالحجم النسبي لأخرى.

في السيناريو السابق لم تكن بحاجةٍ لحساب عدد الحضور؛ ولم تكن مضطرًّا لمعرفته، كانت مشكلتك هي تحديد ما إذا كان عدد نسخ جدول الأعمال يساوي على الأقل عدد الأشخاص، ولم تكن هناك حاجة لمعرفة قيمة هذين العددين. مع ذلك ستحتاج إلى حساب عدد الحاضرين عندما تطلب غداءً لخمسة عشر شخصًا، وبالتأكيد عندما يتعلق الأمر بحساب فاتورة هذه الوجبة؛ فسوف يستخدم شخصٌ ما الحساب للتوصُّل إلى التكلفة الدقيقة، حتى لو أُجريت الحسابات جميعها على الآلة الحاسبة.

يسمح لنا نظام الأعداد الحديث بالتعبير عن الأعداد بطريقةٍ فعالةٍ ومنتظمةٍ دون تغيُّر، تجعل من السهل مقارنة عددٍ بآخر، وإجراء العمليات الحسابية التي تنشأ الحاجة إليها من خلال العد. إننا نستخدم يوميًّا نظام العد العشري لكل عملياتنا الحسابية — أي إننا نعد بالعشرات — ونفعل ذلك لسببٍ من قبيل المصادفة، وهو أن لدينا عشر أصابع في أيدينا. مع ذلك، ليس اختيارنا للنظام العشري هو ما يجعل نظام الأعداد لدينا فعالًا لهذه الدرجة، ولكن السبب هو استخدام القيمة المكانية في تمثيلات الأعداد؛ حيث تعتمد قيمة الرقم على مكانه في سلسلة الأعداد. على سبيل المثال، العدد  هو اختصار للقيمة: آحاد و عشرات و مئات وألف واحد.
من المهم أن نفهم ما نعنيه عند كتابة الأعداد بطرقٍ معينة. وسوف نتأمل في هذا الفصل ما تمثله الأعداد، ونستكشف طرق العد المختلفة، ونتعرف على مجموعةٍ مهمةٍ للغاية من الأعداد (الأعداد الأولية) ونقدِّم بعض الحيل العددية البسيطة لإيجاد هذه الأعداد.

كيف صُنفتْ نُظُم العد؟

يستحق الأمر استغراق بضع لحظاتٍ في إدراك وجود مرحلتين متمايزتين لعملية وضع نظام عدٍّ يعتمد — على سبيل المثال — على العشرات. إننا نفرض على الأطفال مهمتين أساسيتين؛ هما حفظ الحروف الأبجدية وتعلُّم كيفية العد. هاتان العمليتان متشابهتان ظاهريًّا، ولكن بينهما اختلافات جوهرية. تعتمد اللغة الإنجليزية على ستة وعشرين حرفًا أبجديًّا، وكل حرف — تقريبًا — يرتبط بصوتٍ نستخدمه لنطق الكلمات. على أية حال، من المؤكد أن اللغة الإنجليزية قد تطوَّرت بحيث يمكن كتابتها باستخدام مجموعةٍ من ستة وعشرين رمزًا. مع ذلك، لا يمكننا تأليف القواميس ما لم نضع الحروف الأبجدية في ترتيبٍ معين. لا يوجد ترتيب طبيعي بعينه، والترتيب الذي استقرَرْنا عليه ويُدرس بالمدارس في قالبٍ نغمي — وهو  — يبدو اعتباطيًّا للغاية بالفعل. وممَّا لا شك فيه أن الحروف الأكثر استخدامًا بوجهٍ عامٍّ تقع في النصف الأول من الحروف الهجائية، ولكن ذلك مجرد قولٍ اعتباطيٍّ وليس قاعدة؛ إذ إن الحرفين الشائعَي الاستخدام  و على سبيل المثال يقعان في ترتيبٍ متأخر. أما أعداد العد، أو «الأعداد الطبيعية» كما يشار إليها، ، ،  … جاءت إلينا على النقيض بالترتيب التالي: على سبيل المثال، الرمز  يراد به الإشارة إلى العدد الذي يلي ، وهكذا يجب وضعه بعده. وحتى عددٍ معينٍ، يمكننا أن نبتكر اسمًا جديدًا لكل عددٍ متتالٍ. مع ذلك، عاجلًا أو آجلًا، سنُضطر إلى الاستسلام والبدء في تجميع الأعداد في مجموعات لكي نتعامل مع المتتالية غير المتناهية. والتجميع بالعشرات هو المرحلة الأولى لابتكار نظامٍ عدديٍّ مقبول، وكان هذا الأمر شبه عالميٍّ على مرِّ التاريخ وعبر العالم.


بيانات الكتاب


الأسم : الأعداد
المؤلف :  بيتر إم هيجنز
المترجم : أحمد شكل
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 155 صفحة
الحجم : 9ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



في أواخر عام ١٦٦٤، ظهر مذنَّب لامع في السماء، وكان المراقبون الإسبان هم أول من لاحظ قدومه، لكن على مدى الأسابيع التالية — مع تزايده في الحجم والسطوع — التفتت الأنظار في جميع أنحاء أوروبا إلى هذا المشهد السماوي. وفي إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، وإنجلترا، وهولندا وأماكن أخرى —
وحتى في المخافر الأمامية والمستعمرات الناشئة التابعة لأوروبا والواقعة في الأمريكتين وآسيا — تعقَّب المراقبون وسجَّلوا تحركات المذنَّب وتغيراته، وأخذ بعضهم قياسات دقيقة، واختلفوا بشأن قياسات حجم المذنب وبُعده، وما إذا كان مساره في السماء منحنيًا أم مستقيمًا. وقد راقبه البعض بالعين المجردة، واستخدم البعض الآخر أدوات مثل التليسكوب، وهو اختراع كان قد خرج إلى الوجود منذ نحو ستين عامًا فقط. حاول البعض أن يتنبأ بتأثيرات ذلك المذنب على الأرض، وعلى الطقس، وعلى سلامة الهواء، وعلى صحة الإنسان، وعلى شئون البشر ومصائر الدول. رأى البعض فيه فرصة لاختبار أفكار فلكية جديدة، بينما رآه البعض الآخر نذيرًا أو بشيرًا إلهيًّا، ورأى فيه الكثيرون الأمرين معًا. وتدفَّقت الكتيِّبات من المطابع، وظهرت المقالات والآراء الجدلية في النشرات الدورية المخصصة للظواهر الطبيعية، وتناقش الناس بشأنه في الأكاديميات وبلاط الأمراء، وفي المقاهي والحانات، بينما تنقلت الرسائل المليئة بالأفكار والبيانات جيئةً وذهابًا بين المراقبين البعيدين بعضهم عن بعض، مما نسج شبكات اتصال عبر الحدود السياسية والعقائدية. شاهدت أوروبا كلها هذا المشهد الطبيعي واجتهدت في سبيل فهمه والتعلم منه.



وهكذا يقدِّم ذلك المذنَّب — الذي ظهر عامي ١٦٦٤ و١٦٦٥ — مثالًا واحدًا فقط عن الوسائل التي أعطى من خلالها الأوروبيون في القرن السابع عشر اهتمامًا كبيرًا للعالم الطبيعي من حولهم، وتفاعلوا معه ومع بعضهم البعض. وبإنعام النظر من خلال التليسكوبات الآخذة في التطور، تمكنوا من رؤية عوالم هائلة جديدة؛ أقمار لم يكونوا يحلمون بها حول كوكب المشتري، وحلقات كوكب زحل، وعدد لا حصر له من النجوم الجديدة. وباستخدام ميكروسكوبات جديدة أيضًا، تمكنوا من رؤية التفاصيل الدقيقة لإبرة النحلة، وتكبير صورة البرغوث إلى ما يماثل حجم الكلب، واكتشفوا حشودًا لم يكونوا يتخيلونها من الحيوانات الدقيقة في الماء، والخل، والدم، والمني. وباستخدام المشارط، أماطوا اللثام عن التراكيب الداخلية للنباتات والحيوانات وللبشر أيضًا. وباستخدام النار، تمكنوا من تحليل مواد طبيعية إلى مكوناتها الكيميائية، وتركيب مواد معروفة للحصول على مواد جديدة. وباستخدام السفن، أبحروا إلى أراضٍ جديدة، وعادوا بتقارير مذهلة وعيِّنات عجيبة من نباتات، وحيوانات، ومعادن، وبشر. وابتكروا نظمًا جديدة لتفسير العالم وتنظيمه، وأحيوا نظمًا قديمة مع استمرار الجدال بشأن مميزات كل منها. وبحثوا عن الأسباب والمعاني والرسائل الكامنة في العالم، وعن آيات الله الخالق الباقي في الكون، وعن وسائل للتحكم في العوالم التي اكتشفوها وتطويرها، والاستفادة منها باستخدام كلٍّ من التكنولوجيا الحديثة والمعرفة القديمة المستترة.

والثورة العلمية — التي امتدت تقريبًا من عام ١٥٠٠ إلى عام ١٧٠٠ — هي أهم حقبة في تاريخ العلم وأكثرها شهرةً بين الناس. سَلْ عشرة من المتخصصين في تاريخ العلم عن طبيعة تلك الفترة ومدتها وتأثيرها؛ ومن المرجح أن تحصل على خمس عشرة إجابة. يرى البعض تلك الثورة العلمية على أنها انطلاقة مفاجئة من عالم القرون الوسطى؛ وقت أصبحنا فيه جميعًا (الأوروبيين على الأقل) «عصريين». ومن هذا المنظور، يعد القرنان السادس عشر والسابع عشر ثوريَّيْن حقًّا. حاول آخرون أن يصفوا الثورة العلمية بأنها مخيبة للآمال، وأنها لا تعدو أن تكون نسجًا كاذبًا لأحداث الماضي. مع ذلك، يميز الدارسون الأكثر وعيًا في أيامنا هذه أوجهَ الاستمرارية العديدة والمهمة بين العصور الوسطى والثورة العلمية، لكن من دون إنكار أن القرنين السادس عشر والسابع عشر أعادا العمل وارتكزا على تراث العصور الوسطى بطرق جوهرية ومذهلة. والحقيقة أن «الثورة العلمية» — التي كثيرًا ما تُسمَّى الآن «الفترة الحديثة المبكرة» — كانت عصرًا من الاستمرارية والتغيير معًا. ولقد شهدت زيادة ملحوظة في عدد الأشخاص الذين يطرحون أسئلة عن العالم الطبيعي، وتزايدًا في ظهور إجابات جديدة عن تلك الأسئلة، وتطوُّرَ طرقٍ جديدة للحصول على الإجابات. ويشرح هذا الكتاب بعض الطرق التي تصوَّرها مفكرو الفترة المبكرة من العصر الحديث وانشغلوا بمقتضاها بالعوالم من حولهم، وماذا وجدوا فيها، وما الذي كانت تعنيه لهم. ويوضِّح في إيجاز كيف أرسوا العديد من الأسس التي لا تزال تشكل أساس المناهج والمعرفة العلمية، وجدُّوا في حل الأسئلة التي لا تزال تشغل بالنا، بل وشكَّلوا عوالم ثرية بالجمال والآمال كثيرًا ما غفلنا عن كيفية النظر إليها.


بيانات الكتاب

الأسم : الثورة العلمية
المؤلف :  لورنس إم برينسيبيه
المترجم : محمد عبد الرحمن إسماعيل
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 140 صفحة
الحجم : 9 ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م




تتكون أجسادنا من ذرات؛ ومع كل شهيق، يدخل جسدَك ملايينُ مليارات المليارات من ذرات الأكسجين، وهو ما يمنحك فكرةً عن مدى ضآلة كل ذرة من هذه الذرات. وكلُّ هذه الذرات، إضافةً إلى ذرات الكربون الموجودة في جسدك — بل في الواقع جميع الذرات الأخرى الموجودة على سطح الأرض —
تكوَّنَتْ داخل النجوم منذ نحو خمسة مليارات عام. أنت إذن تتألَّف من مادة تتساوى في عمرها مع عمر كوكبنا، ويبلغ عمرها ثلثَ عمر الكون، مع أن هذه هي المرة الأولى التي تتجمع فيها تلك الذرات على هذا النحو بحيث تتفكَّر في نفسها بوصفها إنسانًا.

فيزياء الجسيمات هي المجال الذي بيَّنَ لنا كيف تُبنَى المادة، وهي المجال الذي يشرع في تفسير من أين جاءت المادة بكل صورها. في المعجلات العملاقة — الممتدة طولًا عادةً لأميال عدة — يمكننا تعجيل أجزاء من الذرات؛ جسيمات على غرار الإلكترونات والبروتونات، بل يمكننا أيضًا تعجيل أجزاء من المادة المضادة، ثم دفعها للاصطدام بعضها ببعض. وحين نفعل هذا فإننا ننتج — للحظة وجيزة وفي مساحة مكانية صغيرة — تركيزًا شديدًا للطاقة، يماثل ما كان عليه الكون بعد انقضاء جزء يسير من الثانية على الانفجار العظيم. وبهذا نكتسب المعرفةَ بشأن أصولنا.



كان اكتشاف طبيعة الذرة منذ مائة عام أمرًا يسيرًا نسبيًّا: فالذرات موجودة في كل صور المادة حولنا، وكان بالإمكان اختبار أسرارها باستخدام معدَّاتٍ تُوضَع على طاولات المختبرات. بَيْدَ أن الكشف عن الكيفية التي ظهرت بها الذرات إلى الوجود يمثِّل تحديًا مختلفًا بالكامل؛ فلا يوجد جهازُ «انفجار عظيم» معروض للبيع في الكتالوجات العلمية. بل إن القِطَع الأساسية التي تُنتج حزمَ الجسيمات، وتعجِّلها وصولًا إلى سرعات تدنو كثيرًا من سرعة الضوء، ثم تجعلها تصطدم بعضها ببعض، ثم تسجِّل النتائج من أجل تحليلها؛ كلُّ هذه القِطَع يجب أن يتم تصنيعُها على أيدي فِرَقٍ من الخبراء. وإنَّ قدرتنا على عمل ذلك ما هي إلا تتويج لقرن من الاكتشاف والتقدُّم التكنولوجي. إنه لمسعًى هائلٌ مكلِّفٌ، لكنه السبيل الوحيد الذي نعرفه للإجابة عن مثل هذه الأسئلة العميقة. وخلال هذه الرحلة، جرى تصنيع أدوات واختراعات لم تكن متوقَّعةً. وفي الوقت الحالي تُستخدَم المادة المضادة وكواشف الجسيمات المعقَّدَة في الفحص الطبي، كما أدَّتْ أنظمة جمع البيانات التي صُمِّمَتْ في سيرن (المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية) إلى اختراع الشبكة العنكبوتية العالمية، وما هذه إلا منتجات فرعية لفيزياء الجسيمات العالية الطاقة.

إن تطبيقات تكنولوجيا فيزياء الطاقة العالية واكتشافاتها غفيرة، بَيْدَ أن هذا الهدف التكنولوجي ليس هو الهدف الذي يجري من أجله البحث في هذا المجال، بل الباعث هو الفضول، والرغبة في معرفة المادة التي نتكوَّن منها، ومن أين أتَتْ، والسبب وراء ذلك التوازن الدقيق الذي تتَّسِم به قوانين الكون والذي يقف خلف تطوُّرنا.

في هذه المقدمة القصيرة جدًّا آمُل أن أمنح القارئ لمحةً عمَّا وجدناه، وعن بعض الأسئلة الكبرى التي تواجهنا في مطلع القرن الحادي والعشرين.

بيانات الكتاب

الأسم : فيزياء الجسيمات
المؤلف :  فرانك كلوس
المترجم : محمد فتحي خضر
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 147 صفحة
الحجم : 8 ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



تاريخ موجز

علم الكونيات فرع حديث العهد نسبيًّا من العلوم الطبيعية. وفي هذا شيء من التناقض؛ لأن علم الكونيات يتناول بعضًا من أقدم الأسئلة التي طرحتها البشرية على غرار: هل الكون غير محدود؟ هل هو موجود منذ الأزل؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فكيف ظهر الكون إلى الوجود؟ وهل سينتهي يومًا ما؟ ومنذ أزمنة ما قبل التاريخ والبشرُ يسعَون إلى بناء إطار مفاهيمي من نوعٍ ما للإجابة على الأسئلة المتعلقة
بالعالم وبعلاقتهم به. كانت أُولى تلك النظريات، أو النماذج، عبارة عن خرافات ننظر إليها اليوم بوصفها ساذجة أو عديمة المعنى. بَيْدَ أن هذه التخمينات البدائية تُظهر الأهميةَ التي طالما نسبناها نحن البشرَ إلى التفكير في العالم. واليوم، يستخدم علماء الكونيات لغة ومنظومة من الرموز مختلفتين تمامًا، لكن ما يحفِّزهم بالأساس هو نفس ما حفَّز أسلافنا القدماء. وأَوَدُّ في هذا الفصل أن أسرد في إيجازٍ التطورَ التاريخيَّ ﻟ «موضوع» علم الكونيات، وأن أفسِّر الكيفية التي تطورت بها بعض أفكاره المحورية. وآمُل أن يوفر هذا نقطة انطلاق مفيدة نحو الفصول التالية التي سأستكشف فيها هذه الأفكار المحورية بمزيد من التفصيل.

الكون في الخرافات

أغلب المحاولات القديمة لدراسة الكون كانت مبنيةً بالأساس على شكل من أشكال التجسيم (أي نسبة الصفات البشرية إلى كائنات غير بشرية). وقد تضمنت بعض هذه المحاولات فكرة أن العالم المادي تُحَرِّكه كيانات ذات إرادة نافذة يمكنها أن تساعد البشرية أو تعوقها، فيما تضمَّن البعض الآخر فكرة أن العالم المادي نفسه جامد، ولكن يمكن لإله أو آلهة أن يتحكموا في مساره. في كلتا الحالتين تميل خرافات الخلق إلى عَزْوِ منشأ الكون إلى كيانات يمكن تفهُّم دوافعها — ولو جزئيًّا — من جانب البشر.



ثمَّة اختلافات كثيرة بين خرافات الخلق حول العالم، لكنْ هناك أيضًا أوجه تشابه لافتة. على سبيل المثال، عادةً ما تتضمن هذه الخرافات فكرة الحِرَفي الأسمى، وبذا يُقدَّم جمال العالم الطبيعي بوصفه صنيعة يد فنان ماهر، وثمَّةَ أمثلة على هذا في جميع الثقافات. وهناك صورة متكررة أخرى؛ هي نمو التنظيم من الفوضى، والتي تعكس التنظيم المتصاعد للمجتمع البشري. أيضًا هناك صورة مشابهة تمثِّل الكون بوصفه عملية بيولوجية، وأبرز الأمثلة على ذلك موجود في الخرافات التي تصوِّر الكونَ على أنه نشأ من بيضة أو بذرة.

تحتوي قصة الخلق البابلية — المعروفة باسم إنوما إليش — هذه العناصر. ترجع هذه الخرافة إلى حوالي عام ١٤٥٠ قبل الميلاد، لكنها مبنية على الأرجح على روايات سومرية أخرى أقدم. في قصة الخلق هذه تتجسَّد حالة الفوضى البدائية في البحر، ومن البحر تنشأ آلهةٌ تمثِّل المكونات الأساسية للعالم؛ كالسماء والأفق وغيرهما. من بين تلك الكيانات الإلهية يتصارع الإله مردوخ مع الإلهة تيامات — ربة البحر — ويصرعها، ويشكِّل مردوخ الأرضَ من جسدها.

الصين أيضًا مصدر لعدد من التفسيرات المثيرة للاهتمام، وأحد هذه التفسيرات يتضمَّن العملاق بان جو. في هذه القصة بدأ الكونُ كبيضة عملاقة. ظل العملاق نائمًا داخل البيضة لآلاف السنين، ثم استيقظ وتحرَّر محطِّمًا البيضة خلال ذلك. بعض أجزاء البيضة (الأخف والأكثر طُهرًا) ارتفعت مكوِّنةً السموات، بينما الأجزاء الأثقل والأدنس كوَّنت الأرضَ. حمل بان جو السموات بيديه، بينما ارتكزت قدماه على الأرض. ومع ارتفاع السموات أكثر وأكثر، صار العملاق أطول وأطول؛ كي يُبقي على اتصالها بالأرض. وفي النهاية مات بان جو، لكن أجزاء جسده استُخدمت على نحوٍ مفيد؛ إذ صارت عينه اليسرى الشمسَ، وعينه اليمنى القمرَ، وصار عَرَقه المطرَ، وشعره النباتاتِ، وصارت عظامه الصخورَ.

تتعدد أساطير الخلق بتعدد الثقافات، ولا أملك المساحة الكافية هنا لذكر المزيد من التفاصيل. وسواء أكانت الأساطير أفريقية أم آسيوية أم أوروبية أم أمريكية، فمن المدهش كيفية تَشارُكها في العديد من أوجه الشبه.


بيانات الكتاب

الأسم : علم الكونيات
المؤلف :  بيتر كولز
المترجم : محمد فتحي خضر
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 149 صفحة
الحجم : 7 ميجابايت
الطبعة الأولى 2015 م




الخلية هي أصغر وحدة في الحياة، ومنها تتكون جميع الأحياء، بدءًا من الكائنات وحيدة الخلية المعروفة لدينا باسم البكتيريا، ووصولًا إلى أكثر الكائنات تعقيدًا؛ مثل الإنسان الذي يضم أعدادًا هائلة جدًّا من الخلايا، لكن تلك الأعداد تتضاءل أمام عدد الخلايا في حوت أزرق يبلغ وزنه مائتي طن. ويمكن النظر إلى
الخلية في أدائها دورَها كاللَّبِنة الأساسية للحياة، على أنها مجموعة بسيطة نسبيًّا من المكونات التي تعمل في تُؤَدَةٍ بَالِغة؛ كي تحافظ على وجودها، وتنقسم من آن لآخر لتكوين خلية جديدة. هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة؛ فكل الخلايا، بدءًا من أبسطها وحتى أكثرها تعقيدًا، هي مصنع جزيئي متكامل يعمل بكل همَّة في كل دقيقة من دورة حياته، سواء في نصف الساعة الذي يمثل عمر أغلب أنواع البكتيريا قبل أن تنقسم، أو في الصيانة الذاتية والنشاط اليومي لخلايانا العصبية التي تعيش عدة عقود. إن تصوير الخلية كمصنع يُعد ناقصًا بعض الشيء؛ فحتى يجاري ذلك المصنع النشاطَ الخلوي، يجب أن يُفكَّك ويعاد بناؤه هو وغالبية آلاته يوميًّا، دون أن تنخفض مستويات الإنتاج به. وجدير بالذكر أن عدد الخلايا النباتية والحيوانية أكبر ألف مرة من البكتيريا فضلًا عن أن تنظيمها الداخلي أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

ما نوع الآلية الداخلية التي يمكن أن تدعم المستويات الهائلة من التخليق التي تسمح للخلايا الأبسط بمضاعفة نفسها في دقائق، والخلايا الأكثر تعقيدًا في يوم واحد؟ بشكل أساسي، تعتمد الحياة على ذرَّاتِ ستةِ عناصرَ فقط من ١١٧ عنصرًا معروفًا لنا، وهي: الكربون والهيدروجين والنيتروجين والأكسجين والفوسفور والكبريت. يشكِّل الهيدروجين والأكسجين — وهما متحدان معًا لتكوين جزيئات الماء — ٩٩ من كل ١٠٠ جزيء في الخلية، وهو ما قد يجعل الحياة تبدو وكأنها كيان مائع للغاية، لكنَّ الحقيقة أن بعض هذا الماء مرتبط بإحكام ببنية الجزيئات الأكبر حجمًا، ولا يكون في شكل سائل فعلي. تعتمد الحياة عند مستوى الجزيئات على مجموعة محدودة من جزيئاتٍ صغيرةٍ أساسُها الكربون شائعةٍ في كل الخلايا، وتتضمن السكرياتِ (التي توفِّر الطاقة الكيميائية)، والأحماضَ الدهنية (التي تكوِّن أغشية الخلايا)، والأحماضَ الأمينية (الوحدات المكوِّنة لكل البروتينات)، والنيوكليوتيدات (الوحدات الفرعية للجزيئات الحاملة للمعلومات الوراثية؛ مثل الحامض النووي الريبي منقوص الأكسجين «دي إن إيه»، والحامض النووي الريبي «آر إن إيه»). تتكون كل البروتينات من ٢٠ نوعًا مختلفًا فحسب من الأحماض الأمينية المنتشرة في كل الكائنات الحية. تجتمع هذه «الأبجدية» من الأحماض الأمينية في مجموعة من الأشكال المختلفة والمشابِهة لاستخدام الحروف في تكوين الكلمات؛ وذلك لتكوين «مفردات» هائلة العدد من البروتينات. توجد البروتينات في مجموعة من الأشكال ذات التنوع الهائل؛ مما يوفر المواد البنائية، والمحفِّزات الكيميائية، والمحركات الجزيئية التي تدعم وتدفع العمليات التي تقوم عليها الحياة. تُخزَّن شفرة كل بروتين في شفرة أخرى مكوَّنة من أربعة أحرف تكوِّن الجينات في الحمض النووي «دي إن إيه» وتُورَّث من الخلية الأم إلى الخلية الوليدة مع كل عملية انقسام. يختص كل جين من الجينات الفردية التي يبلغ عددها نحو ٢٤ ألف جين في اﻟ «دي إن إيه» ببروتين معين، لكن قد تحتوي أجسادنا على أضعاف هذا العدد من البروتينات التي تتكون من خلال تعديل الرسالة الوراثية الأصلية. تتجمع البروتينات لتكوِّن مركباتٍ متعددةَ البروتيناتِ تؤدي وظيفة التُّروس والمحامل التي تدفع محركاتِ الإنتاجِ والصيانة داخل الخلية. يعمل هذا المستوى من التعقيد بشكل مثالي في الخلايا الأبسط مثل البكتيريا. لكنْ في الخلايا الأكبر حجمًا والأكثر تعقيدًا، مثل خلايا جسم الإنسان، هناك مهامُّ معيَّنةٌ تُنفَّذ في مواقع معينة في الخلية تسمى العضيات، التي تَكون منفصلة عن المكونات الأخرى داخل الخلية بواسطة أغشيتها. ومما يزيد هذه الدرجة من التعقيد، أن أجسادنا تحتوي على ما يقرب من ٢٠٠ نوع مختلف من الخلايا.



يحاول هذا الكتاب تقديم نبذة موجزة عن التنوع الهائل الذي تستعين به الخلايا في أداء وظائفها، وعن السبب في أن أي خلل «خلوي» يمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالمرض.

(٢) الخصائص الأساسية للخلية

إن أيَّ شيء يعيش على سطح الأرض بطبيعته مكوَّنٌ من خلايا. عند هذه النقطة، يجب أن نستبعد الفيروسات؛ حيث إنها غيرُ قادرة على التكاثر دون الانقضاض على العمليات التخليقية للخلية التي تصيبها. إن طبيعتها غيرَ الحيوية تتأكد من خلال القدرة على تكوين بلورات من الفيروسات المنقَّاة في محلول. تُعَدُّ الخليةُ الوَحدةَ الأساسية للحياة، وبالتالي، يجب أن تتوافر فيها المتطلبات الآتية: (١) أن تكون كيانًا منفصلًا يتطلب غشاءً سطحيًّا. (٢) أن تتفاعل مع البيئة المحيطة لاستخلاص طاقة بشكل ما من أجل البقاء والنمو. (٣) أن تتكاثر. وهذه المتطلبات واحدة في كل الكائنات الحية، بدءًا من أصغر بكتيريا وحتى أي نوع من الخلايا التي يبلغ عددها ٢٠٠ نوع مختلف يتكون منها الإنسان. تعيش العديد من الكائنات الحية في صورة خلية وحيدة، في حين يحتوي جسم الإنسان على نحو ١٠٠ تريليون خلية إجمالًا. يمكن تشبيه هذا العدد بالعدد الإجمالي للبشر على الأرض اليوم (من ٦ إلى ٨ مليارات شخص)، أو حتى بالعدد الإجمالي للبشر الذين يُعتقد أنهم عاشوا على سطح الأرض (١٠٦ مليارات). كي نساعدك على إدراك هذه الأعداد الهائلة، ربما يمكننا استخدام تشبيه معتمد على الوقت. فإن تريليون ثانيةٍ ماضية تعادل نحو ٣٠ ألف عام؛ وقت أنْ كان النياندرتال يجوبون أنحاء أوروبا.

بيانات الكتاب

الأسم : الخلية
المؤلف :  تيرينس آلن
المترجم : مصطفى محمد فؤاد
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 132 صفحة
الحجم : 6 ميجابايت
الطبعة الأولى 2015 م




هناك أمر محير في مجال علمي أُسِّس بأكمله على الكائنات التي صارت مهمة بالنسبة لنا فقط بعد موتها، بل ولموتها. إن الحفريات تخلب ألبابنا عندما تكون مختلفة تمامًا عن حياتنا المعاصرة على الأرض، ويفصلها عنا فترات زمنية لا نكاد نتخيَّلها، وكذلك عندما تربط بين الأنواع الحية مثلنا نحن وبين أجدادنا
المباشرين. أيًّا كان العصر الذي جاءت منه، فإن تلك الكائنات الميتة التي عاشت في أزمنة أخرى تمثِّل بالنسبة لنا خيالًا، وفي الوقت نفسه تبدو مألوفة على نحو غريب. إن الحفريات تكشف لنا عن عوالم بالغة القدم سكنتها وحوش غريبة ونباتات عجيبة، كان وجودها يشبه عالمنا المعاصر بصورة غريبة، ومع ذلك فهو مختلف عنه بصورة تخلب الألباب؛ فهي لا تأسر خيالنا فحسب، وإنما تختبر كذلك أفكارنا عن الحياة نفسها. وفي الواقع، من المستحيل أن نتخيَّل كيف كانت نظرتنا الراهنة للعالم ولأنفسنا ستتغير لو لم نكن نعلم شيئًا عن الحفريات على الإطلاق.

الحفريات قبل عصر التنوير

رغم أن تقبل جمهور العامة لمسألة الطبيعة العضوية للحفريات — أي كونها بقايا كائنات كانت حية ذات يوم حُفظت داخل الصخور ثم تحولت هي نفسها إلى صخر — لم يتحقَّق إلا مع مطلع القرن التاسع عشر، فإن علم المتحجِّرات المعاصر بدأ في الثلث الأخير من القرن السابع عشر مع كتابات روبرت هوك (في «ميكروجرافيا» ١٦٦٥، و«محاضرات ومقالات عن الزلازل» ١٦٦٨)، تلاها عام ١٦٦٩ مؤلَّف «بحث تمهيدي» لنيلز ستينسن (سُمي لاحقًا نيكولاي ستينونيس ويدعى الآن باسم ستينو وحسب). كان هوك عبقريًّا بحق كما كان عضوًا متعدِّد الثقافات بالجمعية الملكية بلندن، وقد درس فيما يبدو علم الجيولوجيا بصورة غير رسمية على الإطلاق. أما ستينو — الذي لم يكن يقل عنه عبقرية — فكان في البداية متخصصًا في التشريح بجامعة ليدن ثم لدى البلاط الملكي لآل ميديتشي بفلورنسا. وقد كرَّس سنوات من عمره لدراسة جيولوجيا إقليم توسكانا، قبل أن يتَّجه إلى حياة من التفاني وإنكار الذات قسًّا وأسقفًا كاثوليكيًّا.



قبل هوك وستينو، كانت تفسيرات الطبيعة وأسباب تكون الحفريات الشغل الشاغل لدى الفلاسفة على اختلاف توجهاتهم. وكانت أولى العقبات في وجه الكشف عن أسرار الحفريات هي أن أيسر مكان يمكن العثور عليها به عند الجروف والجبال. فإذا كانت تلك الحفريات بقايا أسماك ورخويات حقيقية، فكيف وصلت إلى هناك؟ لم يكن يبدو ممكنًا أن تكون الأرض تغيَّرت بهذا الشكل، حتى إن ما كان قاعًا للبحر ذات يوم صار الآن يرتفع عن سطح الأرض لآلاف الأمتار. وجاء ليوناردو دافنشي ليقدم ما بدا أنه الإجابة الوحيدة الممكنة: أن مستويات سطح البحار قد انخفضت؛ وقد قدم ستينو تفسيرًا مماثلًا. أما هوك — من ناحية أخرى — فأصر على أن الجبال ارتفعت من قاع البحر بفعل الزلازل والحرارة الداخلية للأرض. وبدون ميزة الفهم المتقدم للقوى العملاقة التي (عادةً) تشكل وتغير من طبيعة كوكب الأرض بصورة لا تدركها حواسنا، وبدون فهم المدى الهائل للأزمنة الجيولوجية، كانت تلك التفسيرات ستبدو على أفضل تقدير لا يمكن تصديقها.

كانت هناك صعوبة أخرى تكمن في أن الكائنات التي تحوَّلت إلى حفريات مختلفةٌ بصورة ملحوظة عن الأنواع التي تعيش الآن. فهل كانت نسخًا معيبة من الأنواع الحديثة أم أنها كانت «انحرافات شاذة عن الطبيعة السوية»؟ كان مفهوم «الانقراض» واضحًا بالنسبة لهوك، غير أنه كان يتعارض بصورة مباشرة مع التفسير التوراتي للخلق الذي يتحدَّث عن واقعة خلق وحيدة؛ إذ كانت فكرة الانقراض تعني ضمنًا أنه كانت هناك أكثر من حلقة في مسلسل الخليقة، وأن الإله عندما سمح لتلك المخلوقات بالانقراض كان كمن غيَّر رأيه أو حتى أقرَّ بوجود أخطاء.

بيانات الكتاب

الأسم : الحفريات
المؤلف :  كيث طومسون
المترجم : أسامة فاروق حسن
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 148 صفحة
الحجم : 13 ميجابايت
الطبعة الأولى 2015 م



مبدأ النسبية وسرعة الضوء

تخيل أنك داخل عربة قطار متوقف في إحدى المحطات، وحين تنظر من النافذة ترى قطارًا ثانيًا متوقفًا إلى جوار قطارك. تنطلق الصافرة، وأخيرًا تمضي في طريقك. يتحرك قطارك في سلاسة مجتازًا القطار
الثاني، وتختفي آخر عرباته من أمام ناظريك، بما سيمكِّنك من رؤية محطة القطارات نفسها وهي تختفي بعيدًا مع تركك إياها. لكن المحطة لا تختفي، بل هي باقية كما هي في مكانها، وأنت أيضًا باقٍ في مكانك دون حراك؛ فتكتشف أنك لم تكن تتحرك على الإطلاق، بل إن القطار الآخر هو ما تحرك.

هذه ملاحظة بسيطة، وجميعنا وقع ضحية هذه الخدعة في وقت ما. فالحقيقة هي أننا نعجز عن تحديد ما إذا كنا نتحرك بالفعل أم لا؛ على الأقل فيما يتعلق بالحركة الثابتة المنتظمة في خط مستقيم. في المعتاد، عندما تتحرك مستقلًّا سيارة، مثلًا، فأنت تكون على معرفة بأنك تتحرك. وحتى لو أغلقت عينيك، فستشعر بدفعة بينما تجتاز السيارة المنعطفات والمطبات، وحين تزيد من سرعتها أو تقللها على نحو مفاجئ، لكن إذا كنت على متن طائرة تتحرك بثبات، وباستثناء ضجيج المحركات والاهتزازات الطفيفة، لا يوجد ما يُنبئك إطلاقًا بأنك تتحرك؛ فالحياة تسير داخل الطائرة كما لو أننا مستقرون على الأرض. هنا نقول إن الطائرة تمثل «إطارًا مرجعيًّا قصوريًّا»؛ وبهذا نعني أن قانون نيوتن للقصور الذاتي ينطبق، وتحديدًا أن أي جسم — حين يُرصد داخل إطار القصور الذاتي هذا — لن يغير من سرعته أو اتجاهه ما لم تؤثر عليه قوة مخلة بالتوازن. على سبيل المثال، سيظل كوب الماء الموضوع على الطاولة أمامك ساكنًا في مكانه ما لم تحركه أنت بيدك.

لكن ماذا لو نظرتَ من نافذة الطائرة ورأيت الأرض وهي تمر من تحتك؟ ألا ينبئك هذا بأن الطائرة تتحرك؟ في الواقع لا. فعلى أي حال، الأرض نفسها ليست ساكنة في مكانها، بل هي تدور حول الشمس، والشمس نفسها تدور حول مركز مجرة درب التبانة، ومجرة درب التبانة نفسها تتحرك داخل عنقود مجرِّي يتكون من مجرات مماثلة لها. كل ما يمكننا قوله هو أن هذه الحركات جميعها «نسبية»؛ فالطائرة تتحرك نسبة إلى الأرض، والأرض تتحرك نسبة إلى الطائرة. وما من وسيلة لتحديد أيٌّ منهما ساكن «بالفعل». فأي شخص يتحرك حركة منتظمة نسبة إلى شخص آخر ساكن يحق له أن يعتبر نفسه هو الساكن بينما الآخر هو الذي يتحرك. سبب هذا هو أن قوانين الطبيعة — أي القواعد الحاكمة لكل ما يدور في الطبيعة — هي ذاتها لكل من يتحرك حركة ثابتة منتظمة. بمعنًى آخر: كل من هو موجود داخل إطار مرجعي قصوري. وهذا هو «مبدأ النسبية».



كلا، لم يكن أينشتاين هو من اكتشف هذا المبدأ، بل يعود الاكتشاف لوقت جاليليو. لماذا إذنْ صارت كلمة «النسبية» مرتبطة بأينشتاين؟ ما لاحظه أينشتاين هو أنه من بين قوانين الطبيعة، توجد قوانين للكهرومغناطيسية اكتشفها ماكسويل. ووفقًا لماكسويل، فإن الضوء نوع من الإشعاع الكهرومغناطيسي؛ ومن ثَم، يصير من الممكن — من واقع معرفة شدة القوى الكهربية والمغناطيسية — حساب سرعة الضوء  في الفراغ. ليست حقيقةُ أن للضوء سرعة من الحقائق البديهية الواضحة؛ فحين تدخل حجرة مظلمة وتضيء مصباحًا، يبدو الضوء موجودًا في كل مكان — على السقف والجدران والأرضية — على نحو فوري. لكن ليس الأمر كذلك؛ إذ يستغرق الضوء وقتًا كي ينتقل من المصباح إلى وجهته. ليس هذا بالوقت الكثير، ويستحيل على العين المجردة أن تدرك هذا التأخير من فرط سرعة الضوء. ووفق قانون الطبيعة هذا، تصل سرعة الضوء  في الفراغ إلى ٢٩٩٧٩٢٤٥٨ كيلومترًا في الثانية (وتختلف عن هذا اختلافًا طفيفًا للغاية في الهواء). وهذه هي السرعة المَقيسة للضوء.
ماذا لو كان مصدر الضوء يتحرك؟ على سبيل المثال، يمكن للمرء أن يتوقع أن يسلك الضوء مسلك القذيفة المنطلقة من سفينة حربية مارَّة، بحيث يتوقع الراصد الموجود على الشاطئ أن تضاف سرعة السفينة إلى سرعة القذيفة لو أن القذيفة أُطلقت من مقدمة السفينة في نفس اتجاه حركتها، وتُطرح منها لو أُطلقت من مؤخرتها عكس اتجاه حركتها. جرى التحقق من سلوك الضوء في هذا الجانب في مختبر المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن) في جنيف عام ١٩٦٤، وذلك من خلال جسيمات دون ذرية ضئيلة تدعى «البايونات متعادلة الشحنة». فالبايونات، التي تتحرك بسرعة قدرها ٠٫٩٩٩٧٥ من سرعة الضوء تحللت مطلِقة نبضتين من الضوء. وقد وُجد أن النبضتين لهما سرعة الضوء نفسها  وذلك في حدود دقة قياس قدرها ٠٫١٪. إذنْ، لا تعتمد سرعة الضوء على سرعة المصدر.

بيانات الكتاب

الأسم : النسبية‏
المؤلف :  راسل ستانارد
المترجم : محمد فتحي خضر
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 109 صفحة
الحجم : 5 ميجابايت
الطبعة الأولى 2015 م


لم تبدأ الدراسة العلمية للمجرَّات إلا منذ فترة قريبة، في عشرينيات القرن العشرين، حين تأكَّدَ للمرة الأولى أن بقع الضوء الغائمة المبهمة العديدة التي تُرَى من خلال التليسكوبات هي جزر في الفضاء تتألَّف من أعداد ضخمة من النجوم، بعيدة للغاية عن حدود مجرتنا؛ مجرَّة درب التبانة. فمن دون التليسكوبات
لم نكن لنتمكَّن مطلقًا من استكشاف الكون فيما وراء مجرَّة درب التبانة أو البحث في طبيعة المجرَّات، مع أن التليسكوبات احتاجت نحو أربعمائة عام كي تتطور إلى النقطة التي تصير معها الطبيعةُ الحقيقية للمجرَّات واضحةً.

وعلى حد علمنا، فإن أول مَن استخدم تليسكوبًا للنظر إلى سماء الليل كان ليونارد ديجز، وهو رياضي ومسَّاح تلقَّى تعليمه في أكسفورد، وكان أول مَن اخترع المِزواة في حدود عام ١٥٥١. وقد أبقى ليونارد ديجز على استخدامه للتليسكوب (الذي كان بالأساس مِزواةً موجَّهَةً صوب السماء) طيَّ الكتمان؛ وذلك بسبب القيمة التي كانت المزواة تمثِّلها لعمله، لكنه ألَّفَ واحدًا من أوائل الكتب الرائجة بالإنجليزية عمَّا يُسمَّى الآن العلم، وقد تضمَّنَ الكتاب وصفًا للنموذج الكوني البطلمي الذي فيه تكون الأرضُ مركزَ الكون. توفي ليونارد عام ١٥٥٩، لكن ابنه توماس ديجز تابَع السير على خطاه، وقد صار توماس — المولود في أربعينيات القرن السادس عشر — رياضيًّا، وفي عام ١٥٧١ رتَّب لنشر أحد الكتب التي كان والده قد ألَّفها، وفي هذا الكتاب ورَدَ أول وصف للتليسكوب في مادة مطبوعة. أجرى توماس ديجز هو الآخَر مشاهدات فلكية، وفي عام ١٥٧٦ نشر نسخة مزيدة منقَّحَة من كتاب والده الأول، تضمَّنَتْ أول توصيف مطبوع مكتوب بالإنجليزية للنموذج الكوني الكوبرنيكي، الذي فيه تكون الشمس هي مركز الكون.



في ذلك الكتاب، الذي يحمل عنوان «تكهُّنٌ أبدي»، قال ديجز الابن إن الكون غير محدود، وضمَّنَ رسمًا توضيحيًّا للشمس، تدور حولها الكواكب، في مركز منظومة من النجوم تمتد بلا نهاية في جميع الاتجاهات. وبما أننا نعرف أن ديجز كان يملك تليسكوبًا واحدًا على الأقل، فإن الاستنتاج الطبيعي الذي نخرج به من هذا هو أنه استخدم التليسكوب في النظر إلى حزمة الضوء المنتشرة عبر السماء والمعروفة باسم درب التبانة (الطريق اللبني)، واكتشف أنها تتألف من عددٍ لا يُحصَى من النجوم المنفردة.

قد تصيبنا قصة ليونارد وتوماس ديجز بالدهشة؛ لأن الشخص الذي يُنسَب له عادةً فضلُ صناعة واستخدام أول تليسكوب فلكي، وكذلك اكتشاف أن مجرَّة درب التبانة تتكون من نجوم؛ هو جاليليو جاليلي، وذلك في نهاية العقد الأول من القرن السابع عشر. لكن في الواقع، اختُرِع التليسكوب على يد أكثر من شخص بصورة مستقلة في شمال غرب أوروبا، ولم تصل أنباءُ هذا الاختراعِ إلى إيطاليا، آتيةً من هولندا، إلا في عام ١٦٠٩. وقد بنى جاليليو — معتمِدًا فقط على وصفٍ لهذه الأداة — تليسكوبًا خاصًّا به، وكان الأولَ ضمن تليسكوبات عدة، ثم وجَّهَه إلى السماء شأن غيره من المعدات الكثيرة الأخرى. وقد نُشِرت اكتشافاته في كتابٍ بعنوان «رسول السماء» عام ١٦١٠، وجعل هذا منه رجلًا شهيرًا، وهذا هو مصدر الخرافة المنتشرة القائلة بأن جاليليو أول فلكي يستخدم التليسكوب. إلا أن جاليليو — شأن توماس ديجز من قبله — لاحَظَ بالفعل أن مجرَّة درب التبانة تتألَّف من مجموعة كبيرة من النجوم.

كان توماس رايت — صانع أدواتٍ وفيلسوف إنجليزي عاش في القرن الثامن عشر — هو مَن أخذ الخطوة التالية على طريق فهم موضعنا في الكون، لكن إسهامات رايت — مثلما حدث مع ديجز — ذهبت طي النسيان تقريبًا. تشكِّل مجرَّة درب التبانة حزمةً من الضوء تمتد عبر سماء الليل، وفي كتاب رايت «نظرية أصيلة أو فرضية جديدة عن الكون» المنشور عام ١٧٥٠، اقترح أن درب التبانة تتكون من مجموعة من النجوم، شبَّهها بقرص المطحنة. بل الأكثر إثارةً للدهشة أنه أدرك أن الشمس ليست مركز هذه المجموعة الشبيهة بالقرص من النجوم، وإنما تقع في أحد أطرافها. بل إنه اقترح أن الكرات الغائمة من الضوء المرئي عبر التليسكوب، والمعروفة باسم السُّدُم بسبب شبهها بالسحب، قد تقع خارج درب التبانة، مع أنه لم يُقدِم على قفزة الخيال المطلوبة لاقتراح أن هذه السُّدم قد تكون منظومات نجمية أخرى شبيهة بدرب التبانة نفسها. وكان إيمانويل كانط، وهو عالم فيلسوف آخر، هو مَن التقط هذه الأفكار من رايت وأخذ الخطوة التالية، مقترحًا أن السدم قد تكون «جزرًا كونية» شبيهة بدرب التبانة. لكن لم تُؤخَذ هذه الفكرة بجدية.

بيانات الكتاب

الأسم : المجرَّات
المؤلف :  جون جريبين
المترجم : محمد فتحي خضر
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 121 صفحة
الحجم : 8 ميجابايت
الطبعة الأولى 2015 م



عمَّ تدور نظرية الألعاب؟
عندما كانت زوجتي غائبةً طوال النهار في مؤتمر صغير شائق في إقليم توسكانا، دعَتْني ثلاث شابَّات لأشاركهنَّ الغداء. وبينما كنت جالسًا، قالت إحداهن بصوتٍ جذَّاب: «علِّمنا كيف نلعب لعبة الحب.» لكنْ تبيَّن أن كلَّ ما أردْنَه هو نصيحة حول كيفية التعامل مع العُشَّاق الإيطاليين. ولا أزال أعتقد أنهنَّ أخطأْنَ
عندما رفضْنَ توصياتي المهمة، لكنهنَّ أصبنَ في التسليم بأن المغازلة هي واحدة من الألعاب العديدة المختلفة التي نلعبها في الحياة الواقعية.
فالسائقون وهم يناورون وسط الزحام المروري يلعبون لعبة قيادة، وتُجَّار الصفقات وهم يقدِّمون العروض على موقع «إيباي» يلعبون لعبة مزادات، وعندما تتفاوض شركةٌ مع إحدى النقابات العُمالية على أجور العام المقبل فإنهما تلعبان لعبة تفاوُض، وعندما يختار المرشحون المتنافسون برنامجهم في أحد الانتخابات فإنهم يلعبون لعبةً سياسية، وصاحب محل البقالة الذي يحدد سعر رقائق الذرة اليوم يلعب لعبةً اقتصادية. بإيجاز، متى تفاعل البشر فإنهم يكونون بصدد ممارسة لعبةٍ ما.
وقد لعب أنطونيو وكليوباترا لعبة المغازلة على نطاقٍ واسع، وحقَّق بيل جيتس ثراءً هائلًا عندما لعب لعبة برامج الكمبيوتر، ولعب كلٌّ من أدولف هتلر وجوزيف ستالين لعبةً أبادت نسبةً ليست هيِّنة من سكان العالم، وأثناء أزمة الصواريخ الكوبية لعب خروشوف وكينيدي لعبةً كان من الممكن أن تُبيد البشرية جمعاء.


مع هذا التطبيق الواسع النطاق، تكون نظرية الألعاب علاجًا شاملًا إذا ما استطاعت دائمًا أن تتنبَّأ بالكيفية التي سيلعب بها الأفرادُ الألعابَ المتعددة التي تتكوَّن منها الحياة الاجتماعية في العموم. ولكنَّ نظرية الألعاب لا تستطيع أن تحل كل مشكلات العالم؛ لأنها لا تنجح إلا عندما يلعب البشر الألعاب «بعقلانية»؛ لذا فهي لا تستطيع أن تتنبَّأ بسلوك المراهقين الوَلْهانين أمثال روميو وجولييت، أو المجانين أمثال هتلر أو ستالين. غير أن سلوك البشر لا يكون دائمًا غير عقلاني؛ ومن ثَمَّ فليس مضيعةً للوقت أن نَدْرس ما سيحدث عندما يفكر البشر بعقلانية؛ فمعظمنا على الأقل يحاولون التحليَ بالحكمة عند إنفاق أموالهم، ولا يتسم سلوكنا الإنفاقي في معظم الوقت بالسَّفَهِ والإسراف المبالَغ فيهما، وإلا فما كانت النظرية الاقتصادية لِتنجحَ على الإطلاق.
حتى عندما لا يَدْرس الأفراد كل شيءٍ سابقًا، فلا يستتبع ذلك أنهم يتصرَّفون بالضرورة على نحوٍ غير عقلاني. لقد كان لنظرية الألعاب إنجازاتٌ واضحةٌ في تفسير سلوك العناكب والأسماك، على الرغم من أنه لا يمكن الزعم بأن أيًّا من النوعَيْن يفكر مطلقًا. فمثل هذه الحيوانات غير العاقلة تنتهي بها الحال إلى التصرف كما لو أنها عاقلة؛ لأن منافسيها من الحيوانات الأخرى، التي برمجَتْها جيناتها على أن تسلك سلوكيات غير عقلانية، صارت منقرضةً في الوقت الحالي. وبالمثل، لا يدير الشركاتِ دائمًا نابغون عظامٌ، لكن السوق كثيرًا ما تكون قاسيةً كالطبيعة؛ فتُطيح بمن هم دون المستوى إلى خارج المشهد.


بيانات الكتاب

الأسم : نظرية الألعاب
المؤلف : كين بينمور
المترجم :نجوى عبد المطلب
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م



ظللنا لعدة قرون نعتبر النوم لا يعدو كونه عمليةَ توقف للنشاط، وحالةً سلبية من اللاوعي، وقد كنا مخطئين في فهمنا ذلك طيلة تلك القرون. وربما كان الإخفاق في فهم الطبيعة النشطة للنوم هو أحد الأسباب التي جعلت مجتمعَنا الصاخبَ على مدار الساعة لا يُولي النومَ الاهتمامَ الكافي. ففي أفضل الأحوال، يتقبَّل العديدون منا حقيقة أننا جميعًا في حاجة إلى النوم، أما في أسوأ الظروف فإننا نعتبر النومَ حالةً مَرَضِيَّة تحتاج إلى علاج. ولعلَّ هذا التوجُّه الذي تبنَّاه الكثيرون في مجال الأعمال والسياسة والصناعة، بل والصحة، ليس واهيًا فحسب، بل قد ينطوي على خطورة كذلك.
يمكننا أن نُدرك من خبرتنا اليومية تلك الفائدة المهولة التي تمدُّنا بها ليلةٌ من النوم، وقد دعَّم هذا الشعورَ الذاتيَّ كمٌّ كبير من الأدلة العلمية المتزايدة التي سنستعرض بعضَها في هذا الكتاب. وبعيدًا عن الشعور بالراحة والتحسُّن الذي يمنحنا إياه النوم، فإنه يساعد عقلَنا على التوصُّل لحلول مبتكرة لما نُواجِه من مشكلات يومية. ويزخر التاريخ بالقصص والمواقف التي استيقظ فيها علماء وفنانون ليقدِّموا أفضل الحلول والإسهامات بعد فترات طويلة من الإحباط. فقد تمكَّن فريدريش أوجست كيكوليه من التوصل إلى البنية الكيميائية الحلقية للبنزين بعدَ أنْ رأى في حُلْمه الصورة الشهيرة لثعبان يَعَضُّ ذيله؛ وتمكَّن أوتو لوفي من وضْع مبدأ النقل العصبي الكيميائي الذي نال عنه جائزة نوبل، وكذلك تمكَّن ديميتري مندليف من ترتيب العناصر الكيميائية في الجدول الدوري للعناصر. أما في مجال الفنون، فهناك روبرت لويس ستيفنسون الذي جاءتْه فكرة كتابة روايته الشهيرة «قضية الدكتور جيكل والسيد هايد الغريبة» بعدَ استيقاظه من النوم، وبالمثل يُقال إن صامويل تايلور كولريدج قد استلهم فكرة قصيدة «قوبلاي خان» من حلم رآه — وإن كان الحلم قد راوَدَه بعدَ تعاطِي الأفيون — مثلما حدث مع سوناتا جوزيبي تارتيني الشهيرة على الكمان والمعروفة باسم «رعشة الشيطان». كان سلفادور دالي مهووسًا بالقدرات الإبداعية للنوم، بينما تمكن ريتشارد فاجنر — ربما أكثر من أي فنان آخر — من استغلال النوم في استلهام مؤلفاته الموسيقية وليقدم له الفكرة الرئيسية لجميع أعماله الأوبرالية.


الطريقة التي نتعامل بها اليوم مع النوم فظَّة للغاية؛ فالبالغون ينامون في المتوسط قرابة ٧ ساعات كل ليلة، و٥٪ ينامون أقل من ٥ ساعات، و٦٪ ينامون أكثر من ٩ ساعات (الشكل ١-١). وفي المقابل، تشير بعض التقارير التاريخية إلى أننا كنا ننام فترات أطول في الماضي. وفي ليالي الشتاء الطويلة، كان النوم يستمر غالبًا لفترات طويلة من الزمن مقسمة إلى نوبتين — أو ربما أكثر — من النوم يفصلهما فترات من الراحة اليقظة. وربما كنا في عصور ما قبل الثورة الصناعية نحصل على قسط من النوم يصل إلى ١٠ ساعات يوميًّا اعتمادًا على فصول السنة. وتؤكد التجارب الحديثة صحة هذه الأفكار؛ فإذا ما أُلزِم الأفراد باتباع التوقيت الشتوي (حيث يطول الليل ويقصر النهار) فإنهم يحصلون على قسط من النوم أطول من ذلك الذي يحصلون عليه عند اتباعهم التوقيت الصيفي. وإذا حصل الخاضعون للتجربة على فرصة للنوم لفترات أطول، فإن الأمر ينتهي بهم إلى الحصول على فترة ثابتة من النوم تُقدَّر بنحو ٨ ساعات ونصف، بين البالغين من الشباب، ومدة ٧ ساعات ونصف بين البالغين الأكبر سنًّا؛ أي أكثر مما يحصل عليه معظم الناس حاليًّا. وكان لاستحداث الإضاءة بالكهرباء في القرن التاسع عشر، وتغير ساعات العمل والأنظمة الاجتماعية بسبب الثورة الصناعية، أثر في انفصال جنسنا البشري على نحو متزايد عن الدورات الطبيعية لليل والنهار التي قوامها ٢٤ ساعة (انظر الفصلين الثامن والتاسع).


بيانات الكتاب

الأسم : النوم
المؤلف : ستيفن دبليو لوكلي
المترجم :نهى بهمن
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget