Articles by "علوم اجتماعية"



) أين نضع الحدود؟

إذا كنت لا تزال تؤمن — بعد قراءة ما سبق — بأن حرية الكلام لا ينبغي أن تخضع أبدًا لقيود تحت أي ظروف، فتأمل مثالًا تخيليًّا طرحه الفيلسوف توماس سكانلون: ماذا تقول في مخترع كاره للبشر اكتشف طريقة سهلة لإعداد غاز أعصاب ذي فعالية عالية من
منتجات محلية يسهل العثور عليها؟ بالتأكيد في هذا الموقف سيكون من الصائب منعه من إعطاء الوصفة لأحد أو نشرها بأي طريقة أخرى، قليل جدًّا من الناس هم من قد يود الدفاع عن حقه في حرية الكلام فيما يتعلق باختراعه الخطير؛ اختراع ليس له أي فائدة واضحة للبشرية وله العديد من الأخطار المحتملة، حتى إن كان المخترع لا يقصد استخدام اختراعه بما يضر الآخرين، فسيظل من الصواب منع هذه المعلومات الخطيرة من الانتشار على نطاق واسع، فإذا كنت تؤمن بأن حرية الكلام ينبغي الدفاع عنها في كل الأحوال، فعليك إذن أن تؤمن بضرورة الدفاع عنها حتى في حالة كهذه.

إذا بدا لك مثال مخترع غاز الأعصاب خياليًّا، فإليك مثال حقيقي لكتاب بعنوان «القاتل المأجور: دليل فني للقتلة المأجورين المستقلين.» يقدم هذا الكتاب — الذي يقال إنه أدب خيالي — إرشادات مفصلة لكيفية القتل بحذر والتخلص من الجثث، نُشر هذا الكتاب عام ١٩٨٣ في الولايات المتحدة، وزادت شهرة الكتاب عندما استأجر لورنس هورن قاتلًا مأجورًا لقتل ابنه وزوجته السابقة وممرضة ابنه من أجل الحصول على أموال التأمين، اتبع القاتل حرفيًّا التعليمات الواردة بالكتاب عن كيفية جعل المسدس صعب التعقب، واستخدام كاتم صوت منزلي الصنع، وإطلاق النار من مسافة قريبة، وما إلى ذلك. حُكم على القاتل بالإعدام، وعلى هورن بالسجن مدى الحياة، ورُفعت دعوى قضائية ضد ناشري الكتاب، وأعد الناشرون دفاعًا معتمدًا على التعديل الأول، انتهت القضية أخيرًا بتسوية مالية من جانب الناشرين، واعتبر البعض أن محاولة مقاضاة ناشري هذا الكتاب هجوم على حرية الكلام، في حين اعتبرها آخرون رد فعل أخلاقي مناسبًا لمنع التداول الواسع لعمل أوحى بارتكاب جريمة قتل وقدم دليل تعليمات لها، وربما يتكرر الأمر مرة أخرى. اعتبر معظم من يرون أن الرقابة في هذه الحالة تمثل قيدًا غير مقبول على حرية الكلام — هذا الكتاب غير مسئول وخطيرًا، إلا أنهم كانوا قلقين من خطر تقييد حرية الكلام، لا سيما أن أغلب المعلومات الواردة بالكتاب كانت متاحة بالفعل على نطاق واسع في أفلام العصابات وكتب الجرائم الواقعية، إذا أمكن إثبات أن الكتاب يحرض مباشرةً على العنف، فعندها توجد أسباب واضحة لفرض الرقابة، أما إن لم يمكن ذلك، فإن هذا يبدو تعديًا على الحرية الفردية.

عندما تقول: «أؤيد حرية الكلام.» فإن العبارة تكون ناقصة المعنى نسبيًّا دون توضيح حدود هذه الحرية، ولا تعني هذه العبارة عند أغلب الناس: «أنا أؤيد حرية الكلام في كل الظروف على الإطلاق.» إلا أن تعيين هذه الحدود ليس بالأمر السهل، فهذا يعني تحديد الوقت الذي تحظى فيه قيمة مناقضة بالأولوية على هذه الحرية، في قضية سكينك، اعتبر الأمن القومي خلال فترة الحرب (بأثر رجعي) أعلى قيمة، أما في قضية كتاب القاتل المأجور، كان يوجد قلق حقيقي من أن نشر هذا الكتاب يحمل مجازفة كبيرة بوقوع عواقب وخيمة، وربما أوحى بالفعل بارتكاب جرائم قتل متعددة.

(٦) حجة المنحدر الزلق

مع ذلك ربما يجب الاعتراض على جميع القيود المفروضة على حرية الكلام تقريبًا، على أساس أن السماح للحكومة بتقييد مثل هذه الحرية الأساسية يعني التوجه نحو منحدر زلق ينتهي حتمًا بالوصول إلى الاستبدادية، ودون «وثيقة الحقوق» ربما تكون المملكة المتحدة أكثر عرضة لهذا مقارنة بالولايات المتحدة. الواقع أن عدم الثقة في الحكومات وقدرتها على الرقابة على أسس عقلانية تشكل حافزًا مهمًّا للدفاع عن مبدأ حرية الكلام، إلا أن وجود مبدأ مثل «التعديل الأول» له مشكلاته المصاحبة؛ فهو مثل أي مبدأ يتسع لمدى عريض من التفسيرات — تمامًا كما أوضح فقه قانون «التعديل الأول» — في ظل وجود نقاشات محتدمة حول تطبيق مبدأ حرية التعبير الذي تحميه هذه المادة الدستورية، وحول القيود المفروضة عليه.

تشتمل فوائد الحفاظ على حرية الكلام — وفقًا لحجة المنحدر الزلق — على الحماية من الانزلاق إلى نظام استبدادي أو على الأقل نظام شبيه به، يقترح هذا الأسلوب ضرورة حفاظنا على حرية الكلام بسبب التبعات الحميدة التي تنتج عن ذلك، غير أنه يسهل تفنيد الصور المبالغة في التبسيط لهذه الحجة، ربما تكون المنحدرات الزلقة زلقة نوعًا ما، وفي بعض الحالات يحتمل أن يتشبث أحد برأيه ويقول «هنا وكفى.» بعبارة أخرى، حقيقة اتخاذ حكومة ما قرارًا بإعطاء أهمية للأمن القومي تفوق أهمية حرية الكلام في بعض الحالات، لا تعني أن هذه الحكومة الديمقراطية ستتحول حتمًا إلى نظام استبدادي، فالمسألة هنا تجريبية وتدور حول مدى الانحدار في مثل هذه الظروف، فحقيقة أنه يمكننا الانتقال من دولة ديمقراطية مفتوحة إلى دولة استبدادية من خلال سلسلة من الأفعال الصغيرة، لا تعني بالضرورة أننا إذا اتخذنا خطوة واحدة بعيدًا عن الديمقراطية المفتوحة فسينتهي بنا الحال إلى الاستبدادية. ولصياغة الأمر بطريقة أخرى، واستكمالًا للصورة البلاغية، يمكننا القول إن هذه المنحدرات ربما تكون زلقة نوعًا ما أو حادة الانحدار أو قليلة الارتفاع، لا بد من وجود مزيد من الأدلة التجريبية لتأييد زعم الانحدار الحتمي نحو الاستبدادية، أما النقد الآخر فيتمثل في أننا بعيدون بالفعل إلى حد ما عن المجتمع الذي يكفل حرية الكلام تمامًا، ومع ذلك لا يبدو أننا نندفع في اتجاه الاستبدادية.

بالرغم من ذلك، لا تزال لحجة المنحدر الزلق ثقلها، ففي المملكة المتحدة، فُرض قانون جديد عام ٢٠٠٥ (قانون الجرائم الخطيرة المنظَّمة والشرطة) يحظر التظاهر العام على بعد مسافة كيلومتر من مبنى البرلمان، كانت مايا إيفانز من أوائل من تعرضوا للمقاضاة بموجب هذا القانون؛ حيث أدينت لإلقائها علنيًّا أسماء من قُتلوا في العراق منذ الغزو الأخير دون تصريح من الشرطة، كان يمكن لوثيقة الحقوق أن تجعل من الصعب بل حتى من المستحيل على الحكومة فرض مثل هذا التشريع، ربما يُشار منطقيًّا إلى أن مجرد تحديد منطقة إقصاء قدرها كيلومتر واحد — كما حدث — يمكن أن يتبعه بسهولة زيادة نطاقها لتصل إلى اثنين أو ثلاثة كيلومترات، أو ربما يؤدي إلى وضع قوانين مماثلة قرب أهداف محتملة للإرهاب، ففي هذه الحالة ربما لا يؤدي المنحدر الزلق بالضرورة إلى الاستبداد، لكنه قد ينزع حريات مهمة ممن يعيشون في المملكة المتحدة؛ حريات قد تعيق أو على الأقل تضعف التظاهر السياسي، في هذا النوع من الحجج تكمن القيمة الكبرى للدستور في وجود صعوبة كبيرة في تفعيل مثل هذه القوانين الإضافية وتوسيع نطاقها.



بيانات الكتاب


الأسم : حرية التعبير
المؤلف :  نايچل ووربيرتن
المترجم : زينب عاطف
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 145 صفحة
الحجم : 9ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



نشرتُ في أوائل تسعينيات القرن العشرين — في كتاب «العِرْق والثقافة والاختلاف» — نقدًا لكل من التعددية الثقافية ومناهضة العنصرية كما كانتا تمارسان آنذاك في المملكة المتحدة، لا سيما في مجال التعليم. وأشرتُ إلى أن أنصار التعددية الثقافية ينظرون إلى الثقافات العرقية نظرة تبسيطية على أنها متجانسة وذات خصائص ثابتة وأساسية وجوهرية، ورأوا أن المجتمعات متعددة الثقافات هي «آنية سَلطة» تحتوي على ثقافات عرقية منفصلة لا تمس إحداها الأخريات. وقد عملوا أيضًا بموجب تعريفات إشكالية للعنصرية باعتبارها تحيُّزًا غير عقلاني يمكن القضاء عليه من خلال التثقيف عن الثقافات «الأخرى» حسبما تُعرِّفها خصائص سطحية مثل
فنون الطهي والأزياء. إلا أن مناهضي العنصرية — الذين أشاروا صوابًا إلى أن التثقيف عن الثقافات الأخرى لا يتطرَّق إلى معالجة العنصرية المتأصلة لدى ثقافة الأغلبية — نزعوا إلى العمل بموجب نظرة اختزالية للعنصرية باعتبارها نتاج أوجه التفاوت الطبقي، وباعتبارها — مثلما رأى أنصار التعددية الثقافية — نتاج نوع من «الوعي الزائف».
لكن من الناحية العملية، كان البساط في سبيله إلى أن يُسحَب على نحو هائل من تحت أقدام أنصار كل من التعددية الثقافية ومناهضة العنصرية على يد حكومة السيدة تاتشر، وذلك بإلغاء مجلس لندن الكبرى عام ۱۹٨٦، الذي كان قد استهلَّ بعض سياسات التعددية الثقافية ومناهضة العنصرية في مجال التعليم وغيره من المجالات، إضافةً إلى ما صاحب ذلك من سخرية بعض وسائل الإعلام من هذه الأهداف. وفي تلك الأثناء، كانت ردة فعل عنيفة قد نشأت بالفعل في هولندا ضد صيغتها الخاصة من التعددية الثقافية، في حين ظل الفرنسيون — بالتزامهم بالجمهورية والعلمانية — يديرون ظهورهم رسميًّا لما اعتبروه تجاوزات «أنجلو ساكسونية» (أي أنجلو أمريكية) في إطار التجارب التي أُجريَت في ميدانَي التعددية الثقافية والاعتراف العلني بعرقيات وأديان متعددة.
وقد حاولت في هذا الكتاب أن أعلِّق على التعددية الثقافية ليس في بريطانيا فحسب، وإنما أيضًا في هولندا وفرنسا وغيرهما من أنحاء أوروبا حيثما توفِّر ذلك. على الرغم من حدوث تطورات مهمة أيضًا في كندا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وحتى بعض البلدان الآسيوية، فإنني لم أعلق عليها إلا بإيجاز شديد. فهذا الكتاب يركز بالأساس على أوروبا الغربية.
كانت نيتي هي مد الجسور بين مجالين كادا يصيران منفصلين إلى حد بعيد في إطار دراسة التعددية الثقافية: يرتكز الأول على النظرية السياسية، ويتناول قضايا على غرار كيفية التوفيق بين التعددية الثقافية — بتأكيدها على الهويات الجماعية — والدور الرئيسي الذي تضطلع به الحقوق الفردية في إطار الليبرالية التي تمثِّل عماد دساتير الدول القومية الغربية. ويقع الآخر في مجال العلوم الاجتماعية ودراسات السياسات، ويركِّز على طبيعة الانتماءات العرقية وغيرها من انتماءات الجماعات الموجودة على أرض الواقع، وعلى السمة الفعلية المميِّزة للتفاعلات القائمة بين الجماعات العرقية، ومجموعة السياسات التي طُوِّرَت بهدف استيعاب التنوع الثقافي المتنامي لدى المجتمعات الغربية وإدارته.
على أرض الواقع، يتداخل المجالان؛ فالسياسات لا بد لها من أن تولي القوانين الاعتبار الواجب؛ على سبيل المثال القوانين المعنية بحرية التعبير، التي تكرِّس الأفكار المتعلقة بالحرية الفردية. وكثيرًا ما كانت التوترات والصراعات القائمة بين مبادئ حرية التعبير من ناحية والهويات الجماعية وحساسياتها من ناحية أخرى تتحول إلى مناطق ملتهبة بحق، كما في الجدل الذي ثار بشأن سلمان رشدي لدى نشر كتابه «آيات شيطانية»، وفي اغتيال المخرج ثيو فان جوخ في هولندا، وفي نشر الرسوم الكرتونية الدنماركية للنبي محمد. إلا أن قِصَر هذا الكتاب فرض قيودًا صارمة؛ فقد تعيَّن حذف فصل كان يتناول عمل براين باري وويل كيمليكا وبيكو باريك وتشارلز تايلور، وهم من أبرز الفلاسفة السياسيين الذين عالجوا هذه القضايا، لكنني تناولت بعض القضايا ذات الصلة حول التوفيق بين الحريات الفردية والاعتراف بالهويات الجماعية في فصول عدة من هذا الكتاب.
سأحصر نفسي حاليًّا في نقطتين رئيسيتين؛ أولًا: كان ثمة سوء فهم كبير متعلِّق بالتناقض المفترض بين حقوق الجماعات وحقوق الأفراد. على سبيل المثال، الاستثناءات التي تسمح للسيخ بارتداء العمامات بدلًا من الخوذات الواقية ليست ضربًا من ضروب المعاملة الخاصة التي تتيح لحقوق الجماعات أن تنتصر على حقوق الأفراد، بل إن الحق في ارتداء العمامات بدلًا من الخوذات الواقية يمارسه الأفراد بصفتهم أفرادًا، ولا يحق للجماعة ككل أن تجبر أي فرد سيخي على ارتداء العمامة؛ فالجماعة لم تُعطَ حقوقًا تميزها على أفرادها. وثانيًا: كما يتضح من اختياري للعبارات المقتبسَة التي استهللت بها هذه المقدمة، أرى أن ما يُفترَض أن يكون ممارسات ثقافية تقليدية لا يجوز أن يُسمَح له بإلغاء اعتبارات حقوق الإنسان الأساسية وقدرة أعضاء أي جماعة عرقية على الانشقاق عن التقاليد الثقافية المفترَضة لجماعاتهم العرقية. وتتصدَّر هذه القضية على نحو خاص تناولي لقضية النوع والتعددية الثقافية في الفصل الثاني. ويتبع ذلك أنه لا مجال للنسبية الثقافية مكتملة الأركان في إطار التعددية الثقافية، والواقع أن أي تمعُّن في كتابات أنصار التعددية الثقافية سوف يكشف أنه ما من أحد منهم مدان بالنسبية الثقافية الشاملة التي كثيرًا ما يُتهمون بها.
لا ريب أن التعددية الثقافية حظيت بدعاية سلبية في السنوات الأخيرة — على أقل تقدير — وقد امتدت الآن أذرع الهجمات التي شُنَّت عليها بدايةً من ثمانينيات القرن العشرين في بريطانيا وتسعينيات القرن العشرين في هولندا إلى جميع أنحاء أوروبا الغربية. وتعرِّف الفصول المتعددة لهذا الكتاب المعنى الفعلي للتعددية الثقافية، وتقيِّم الشكاوى المقدَّمَة ضدها مقابل الأدلة المتاحة. وقد توصَّلتُ إلى أن أغلب الاتهامات الموجَّهة إلى التعددية الثقافية كما تُعرض في النقاشات العامة إما مضلَّلة أو مبالَغ فيها حينما توضَع في مواجهة الأدلة المستمَدَّة من الأبحاث التي يجريها علماء الاجتماع وتلك التي تُجرى لأغراض التحقيقات الحكومية.



بيانات الكتاب


الأسم : التعددية الثقافية
المؤلف :  علي راتانسي
المترجم : لبنى عماد تركي
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 145 صفحة
الحجم : 9ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



المكانة الأدبية للحيوانات

في كل عيد عمال بين عامي ١٩٣٤ و١٩٩٨، كان يُقام مهرجان لصيد الطرائد الحية في بلدة هيجنز الصغيرة في بنسلفانيا (الولايات المتحدة الأمريكية)، وذلك قبل أن تُحظر إقامة المهرجان. كان المشاركون في المهرجان يفدون إليه من جميع أنحاء العالم. خلال الحدث السنوي، كان يُطلق سراح نحو ٥ آلاف حمامة من محابسها، واحدة تلو الأخرى، لتصبح هدفًا للمشاركين. كانت معظم الطيور
التي كان يجري إطلاق الرصاص عليها — أكثر من ثلاثة أرباع الطيور، وفق تقدير محققين من صندوق الحيوانات — تصاب بجروح ولا تُقتل في الحال. كان يُترك بعض هذه الطيور في مضامير الصيد فيما كان المتسابقون يكملون جولات صيدهم، وكان بعض هذه الطيور يتمكن من الهرب إلى الغابات القريبة لتموت ببطء متأثرة بجراحها. بعد انتهاء كل جولة، كان الأطفال الصغار يجمعون الطيور الجريحة ويقتلونها إما دهسًا بالأقدام، أو بفصل رءوسها عن أجسادها، أو سحقها قبالة جوانب البراميل، أو قذفها في البراميل لتموت مختنقة ضمن الحمائم الأخرى المحتضرة أو الميتة. لم يمارس الصيادون والأطفال هذه الأنشطة في الخفاء؛ إذ كان الآلاف من المتفرجين يدفعون تذاكر دخول للجلوس على مقاعد، ويأكلون، ويشربون الجعة، ويصرخون معربين عن تأييدهم لما يقوم به الصيادون والأطفال.

ربما يسمع المرء من حين إلى آخر الزعم القائل إن الاستخدام الآدمي للحيوانات لا يثير أي موضوعات أخلاقية من أي نوع. إذا كان ذلك صحيحًا، فلن يُعتبر أي من الأفعال التي ذُكرت توًّا — إطلاق الرصاص على الحمائم الحية من أجل المتعة، القفز عليها حتى الموت، فصل رءوسها عن أجسادها، إلخ — معضلة أدبية. وبالمثل لا يعد تشجيع الأطفال على المشاركة في ممارسة القسوة ضد الحيوانات، أو تشجيع البالغين والأطفال على الانخراط في هذه القسوة من خلال شراء تذاكر للدخول، معضلة مماثلة.

من الصعوبة بمكان تصوُّر موقف أدبي أكثر تدنيًا من الموقف السابق! من الصعوبة بمكان تصوُّر وجود شخص جادٍّ أدبيًّا — أي شخص يعتقد أنه من المهم التصرف بصورة صحيحة غير خاطئة — لا يدين ولو بعض الأفعال التي ذُكرت توًّا لإيقاعها ضررًا كبيرًا غير ضروري بالطيور! بينما كان الموقف من الحيوانات المتمثل في غض الطرف عنها تمامًا باعتبارها كائنات لا أهمية أدبية لها موقفًا شائعًا في القرون السابقة (انظر الفصل الأول)، يصير هذا الموقف أكثر ندرة بصورة متزايدة، وهو ما يوحي بشيء من التقدم الأخلاقي. ولكن، مثلما يبين مهرجان صيد الحمائم، لا يزال الكثيرون لا يجدون غضاضة في التسبب في الأذى للحيوانات.
من الجلي أن بعض الطرق التي جرى بها التعامل مع الحمائم في مهرجان الصيد السنوي كانت خاطئة. إذا دافع المرء عن «إطلاق الرصاص» على الطيور من أجل المتعة باعتباره أمرًا غير خاطئ تمامًا، حيث إن الهدف سيجري قتله إذا كان محظوظًا في الحال (مع تجاهل أن الكثير من الطيور التي أُطلق عليها الرصاص لم تكن محظوظة تمامًا)، فلن يجعل هذا الدفاع من يأملون في تبرير إلقاء الطيور المصابة في البراميل لخنقها ضمن الطيور الأخرى، مثلًا، يشعرون بالارتياح. تُعتبر معاملة الطيور — والحيوانات الحساسة الأخرى — على هذا النحو خاطئة، ولكن «لِمَ» تُعتبر هذه المعاملة خاطئة؟ وما دلالات الإجابة فيما يتعلق ﺑ «المكانة الأدبية» للحيوانات وما إذا كان لدى الحيوانات «حقوق»؟ تناقش بقية هذا الفصل الإجابات الممكنة المختلفة عن هذه الأسئلة.

(١) المكانة الأدبية

يزعم الكثيرون بصورة متزايدة أن الحيوانات تحظى بمكانة أدبية، أو بحقوق أدبية، أو بكليهما. قبل الشروع في تحديد ما إذا كانت مثل هذه المزاعم صحيحة أم لا، يجب أولًا أن نعرف ما المقصود منها. لنبدأ أولًا بالمكانة الأدبية.

فالزعم أن كلبًا، على سبيل المثال، يحظى «بمكانة أدبية» يعني أن هذا الكلب يحظى بأهمية أدبية في ذاته وليس في علاقته بالبشر. بصورة أكثر دقة، يعني ذلك أن مصالح الكلب أو رفاهيته تُعتبر مسألة مهمة ويجب النظر إليها بعين الجدية، وذلك في صورة منفصلة عن طريقة تأثير رفاهة الكلب على مصالح البشر. بصورة أكثر بساطة، يجب التعامل مع الكلب جيدًا «من أجل الكلب نفسه». وإليك بعض الأمثلة.

يعرف الأشخاص العقلانيون أن ركل الكلاب بصورة وحشية من أجل المتعة يعتبر أمرًا خطأً. لماذا يعتبر ذلك الأمر خطأً؟ هَبْ أنَّ بن وجريج لديهما أسباب مختلفة للموافقة على هذا الحكم؛ فيرى بن أن ركل الكب يعتبر خطأ نظرًا لأن ذلك يؤدي إلى تدمير أحد ممتلكات مالك الحيوان الأليف، وهو ما يشير إلى أن «مصالح مالك الحيوان الأليف» هي العامل الأهم. بطبيعة الحال، لا يُعتبر كثير من الكلاب مملوكًا لأحد. قد يجيب بن أن ركل الكلاب يعتبر خطأ، على أي وجه من الوجوه، نظرًا لأن ذلك عمل يتسم بالقسوة، وأن القسوة رذيلة لا يجب أن نشجعها من خلال القيام بأفعال تتسم بالقسوة، «لأن ارتكاب رذيلة كتلك يجعل المرء، على المدى الطويل، أكثر ميلًا لإساءة معاملة البشر.» إجمالًا، تجعل إساءة معاملة الحيوانات من المرء شخصًا يميل إلى إساءة معاملة البشر. المصالح البشرية هنا أيضًا هي الأساس الجوهري الذي يعتمد عليه بن لمعارضة ممارسة القسوة ضد الحيوانات. وفق وجهة النظر هذه، لا تحظى مصالح الحيوانات بأهمية أدبية «مستقلة»، وهو ما يعني عدم وجود أي مكانة أدبية للحيوانات.

باعتبار أن الحيوانات تحظى بالفعل بمكانة أدبية، يتبنى جريج رؤية مختلفة؛ فيرى جريج أن ركل الكلاب من أجل المتعة يعتبر خطأ نظرًا لأن ذلك يسبب الضرر للكلاب دون وجود أي سبب وجيه لذلك. (وفق سيناريو مختلف، قد يتمثَّل أحد الأسباب الوجيهة في أن إلحاق الضرر بكلب هو السبيل الوحيد لمنعه من مهاجمة طفل.) من وجهة نظر جريج، تعتبر رفاهة الكلب مسألة ذات اعتبار في حد ذاتها، حيث إن لها أهمية أدبية مستقلة عن طريقة التأثير على المصالح البشرية من خلال الارتقاء برفاهة الكلب. بناءً عليه، حتى في حال إقناعك إياه بأن إساءة معاملة الكلب لن تؤثر سلبًا على البشر، سيظل جريج يعتبر إلحاق الضرر بالكلب خطأ. يرى جريج أن الكلب يحظى بمكانة أدبية (أما كون الكلب يحظى بالمكانة الأدبية «نفسها» التي تتمتع بها الكائنات الأخرى ذات الأهمية الأدبية، بما في ذلك البشر، أو لا فهي مسألة أخرى).

ماذا إذن عن «الحقوق الأدبية»؟ ماذا يعني القول إن الحيوانات تحظى بهذه الحقوق؟ هذا موضوع مفاهيمي معقَّد؛ حيث إن مصطلح «الحقوق الأدبية» يستخدم بطرق مختلفة، لكن سيعيننا كثيرًا بيان معنى المصطلح في سياق محدد بحيث لا يقصد من يناقشون ما إذا كانت الحيوانات (أو البشر) تحظى بحقوق أدبية معانيَ مختلفة من خلال استخدام المصطلح نفسه بطرق مختلفة.


بيانات الكتاب


الأسم : حقوق الحيوان
المؤلف :  ديفيد ديجراتسيا
المترجم : محمد سعد طنطاوي
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 135 صفحة
الحجم : 14ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



أنثروبولوجيا السحر

شكَّلت النماذج التطورية أساس الفكر العلمي الاجتماعي المبكر في القرن التاسع عشر؛ فإبَّان تحول أوروبا إلى التصنيع في عصر التنوير، كان النقاش يركز على المكانة التاريخية للدين في تطور المجتمع. وقد رسم الفيلسوف الألماني جي دبليو إف هيجل (١٧٧٠–١٨٣١) مسارًا جديدًا لفهم التجربة الدينية العالمية في سلسلة من المحاضرات التي تناولت فلسفة الدين، نُشرت بعد وفاته عام ١٨٣٢.
وكان من بين النقاط ذات الصلة بموضوعنا أنه نسب القدْر نفسه من الأهمية لفهم كيف شكَّلت الثقافة الفكر اللاهوتي، ولفهم كيف شكَّل الدين العقل. لم يكن هيجل مهتمًّا بالسحر في حد ذاته، لكنه خصص له موقعًا في المرحلة الأولى من مراحل الدين الثلاث التي ابتكرها. وقد كانت تلك المراحل الثلاث كما يلي: الأديان التي كانت فيها الطبيعة مشبعة بالأرواح، وأديان الآلهة الممجدة الفردية فوق الدنيوية، وأخيرًا المسيحية التي اعتبرها مزيجًا «بارعًا» من المرحلتين الأخريين؛ ومن ثم، كان السحر «أقدم أشكال الدين، وأكثرها بدائية وبساطة»، والذي قال هيجل عنه إنه لا يزال موجودًا بين شعوب معينة، مثل شعب الإسكيمو.

قد يبدو من غير المحتمل أن يرد ذكر عالم السياسة الثوري كارل ماركس (١٨١٨–١٨٨٣) في دراسة عن السحر. وهو لم يدرس قضية السحر على وجه التحديد، لكنَّ آراءه المعروفة عن الدين ذات صلة بهذا السياق، ويمكن إيجازها في عبارتيه الشهيرتين: «الإنسان هو الذي يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان.» و«الدين أفيون الشعوب.» ورغم أن ماركس الملحد كان على دراية كبيرة بفكر هيجل وناقدًا له في الوقت نفسه، إلا أنه كان متفقًا مع فكرة أن أقدم أشكال الدين ارتبطت بعبادة الطبيعة، أو ما سيطلق عليه لاحقًا المذهب «الإحيائي». مرة أخرى، كان هذا هو المنبع الذي يضرب فيه السحر بجذوره. على الجانب الآخر من التطور المجتمعي تقع الشيوعية، وهي الحد الذي يختفي عنده الدين، وقطعًا لن يكون للسحر مكان.

كان التنظير في النصف الأول من القرن معنيًّا ﺑ «مراحل» تطور تشبه المفهوم الجيولوجي المتمثل في تقسيم طبقات الأرض. ثم شهد النقاش تحوُّلًا بعد نشر تشارلز داروين كتابه «أصل الأنواع» عام ١٨٥٩؛ فقد بات نموذج التطور البيولوجي ومصطلحاته يطبقان على التطورين الاجتماعي والثقافي. وإبان ذلك، احتلت فئة السحر مكانًا أكثر أهمية، ودخل «العلم» الخطة باعتباره نموذج التطور البشري. لم يكن هذا يعني أن تعريفات السحر ستصبح أكثر وضوحًا، بل على العكس، ازداد فهم السحر تشوشًا.

كان العلَّامة والمُنظِّر الاجتماعي البريطاني هربرت سبنسر (١٨٢٠–١٩٠٣) أول من نشر نموذجًا تطوريًّا اجتماعيًّا صور فيه السحر على أنه يحدد نموذجًا بدائيًّا للدين يقوم على العلاقات المتجانسة وعبادة الأسلاف، ولكنه — كممارسة — قابِل للتكيف مع تطور الدين، بحيث يستطيع الدين والسحر التعايش معًا. لكن منافسه إدوارد بيرنت تايلور (١٨٣٢–١٩١٧) هو الذي أثار مخيلة الدارسين — بصفته أول أستاذ في علم الأنثروبولوجيا في جامعة أكسفورد — وأكد كون السحر موضوعًا رئيسيًّا في بحوث الأنثروبولوجيا؛ فقد وضع في كتابه المنشور في مجلدَين «الثقافة البدائية» (١٨٧١)، نموذجًا يذهب إلى أن الحالة الإنسانية كانت عالمية، لكنها تطورت بمعدلات مختلفة. وعلى حد قوله، فإن «الفكر الهمجي» يمكنه أن يتواجد في المجتمع المتحضر الحديث، بل وتواجد بالفعل.

ويرى تايلور أن السحر كان موجودًا في بادئ الأمر باعتباره تعبيرًا عن فكرة «الإحيائية»، التي ترى أن الأشياء — وكذلك البشر — لها أرواح أو جوهر روحاني. وكان الفكر الإحيائي والسحر سمة للشعوب «التي تحتل مراتب دنيا على مقياس الإنسانية»، ثم تطور الدين كفئة مستقلة من مفهوم الروح البشرية، ثم كانت الخطوة التطورية التالية هي التحول من الشرك إلى التوحيد؛ وهذا النموذج يضاهي نموذج هيجل. وقد صاغ تايلور مصطلح «الباقيات» للتعبير عن عناصر الثقافة البدائية التي استطاعت البقاء على قيد الحياة في العالم المعاصر، والتي أتاحت دراستها رصد التطور التبايني للمجتمعات. بعبارة أخرى، لم يكن الأمر مسألة إعادة بناء متطلعة نحو الماضي. والأدلة على حدوث عملية التطور منتشرة من حولنا في عادات «القبائل البدائية» والفلاحين الأوروبيين، تمامًا مثلما عثر داروين على أدلة لها في عالم الحيوان.

صك تايلور أيضًا مصطلح «العلم الزائف» لوصف السحر. وكان يعني بهذا أن السحر — على غرار العلم — يفسر العلاقة السببية بين الأشياء ويستغلها. لكنه علم فاسد؛ لأن افتراضاته وتفسيراته البدائية حول السبب والنتيجة كانت دائمًا خاطئة. لم تكن أجندة تايلور مجرد أجندة باحث علمي متجرد؛ لأنه كان يؤمن أن الأنثروبولوجيا ينبغي أن تكون لها أجندة إصلاحية واضحة. وفي حين أنه لم يكن مدافعًا عن الدين المنظم، فإنه وجَّه هجومه في المقام الأول إلى السحر، الذي وصفه بأنه «توليفة وحشية»، و«أحد أخبث الأوهام التي حيرت الجنس البشري.» وقد شبَّه الثقافات البدائية بالأطفال لأنها تحتاج مثلهم إلى توجيه كي ترتقيَ إلى مرحلة أعلى من الفكر.

أحدثت وجهات نظر تايلور تأثيرًا هائلًا، لكن أستاذ علم الأنثروبولوجيا بجامعة كامبريدج جيمس فريزر (١٨٥٤–١٩٤١) هو الذي قدم النموذج التطوري لنطاق أوسع من الجمهور؛ فقد ترك فريزر — الذي صرح بأنه استلهم عمله من أعمال تايلور — بصمته الخاصة على النظرية؛ فقد وضع في مرجعه الكلاسيكي المؤلف من ثلاثة عشر مجلدًا «الغصن الذهبي» (١٨٩٠–١٩١٥) نموذجًا واضحًا من ثلاث مراحل للتطور الفكري الإنساني: من السحر إلى الدين إلى العلم. وجميع المجتمعات تحقق التقدم في نهاية المطاف عبر هذه المراحل الثلاث. وكان فريزر أيضًا أكثر وضوحًا من تايلور في التمييز بين السحر والدين، وقال بأن السحر جاء قبل الدين، وأن الدين — الذي عرَّفه بأنه «إيمان بقوًى أعلى من قدرة البشر، ومحاولة لاسترضائها أو استعطافها» — يتعارض عمومًا مع السحر الذي يفترض أن السيطرة للبشر. لكن الدين نشأ عن إدراك أن السحر قد فشل. وبقوله هذا نفهم أنه تقبل أن «ممارسات» السحر لا تتعارض مع «الأفكار» الدينية. وقد وسع فريزر نطاق المقارنة بين السحر والعلم؛ فالسحر بمنزلة «أخت غير شرعية للعلم»، قائم على قانونين مغلوطين: أولهما قانون العدوى؛ أي إن الأشياء التي كانت في وقتٍ ما على اتصال مع بعضها تظل تربطها علاقة حتى لو فصلت بينها المسافات. أما الثاني فهو قانون التشابه، الذي يذهب إلى أن النتائج تشبه مسبباتها. لكن إذا ما ثبت يومًا أن السحر صحيح وفعال، «فهو ليس سحرًا إذنْ، وإنما علم».



بيانات الكتاب


الأسم : السحر
المؤلف :  أوين ديفيز
المترجم : رحاب صلاح الدين
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 138 صفحة
الحجم : 5ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



تعريف العبقرية

هوميروس، وليوناردو دا فينشي، وشكسبير، وموتسارت، وتولستوي، وجاليليو، ونيوتن، وداروين، وماري كوري، وأينشتاين. ما القاسم المشترَك بين هذه الشخصيات المشهورة على مستوى العالم في مجالَي الفنون والعلوم؟ بالإضافة إلى حقيقة أن عمر إنجازاتهم قرن أو يزيد، ربما سيردُّ معظمنا على هذا
السؤال بإجابة كالتالية: جميع هذه الشخصيات العشر أحدثَتْ بأعمالها تغييرًا دائمًا في طريقة رؤية الإنسانية للعالم، وتمتَّعَ كلٌّ منها بما نسميه: العبقرية. لكن لما كانت الضرورة تفرض علينا أن نكون أكثر دقة، نرى أنه من الصعب صعوبة ملحوظة أن نحدِّد مَن هو العبقري، لا سيما من بين أبناء عصرنا.

على الرغم من شهرة بابلو بيكاسو وتأثيره لا تزال مكانته كعبقري محل جدل، كما هي الحال بالنسبة لمكانة فيرجينيا وولف مثلًا في مجال الأدب. وفي العلم، على الرغم من أن ستيفن هوكينج كثيرًا ما يُعَدُّ عبقريًّا معاصرًا يضارع أينشتاين في نظر الجمهور العام، فهو لا يحظى بالقدر نفسه من القبول من جانب علماء الفيزياء الذين يفهمون عمله تمام الفهم؛ فهو لا يشكِّل لهم سوى واحدٍ من نجوم مجال علم الكونيَّات.

والعبقرية بطبيعة الحال فردية وفريدة، إلا أنها ذات طابع مؤثر، سواء بالنسبة لعامة الناس أو المتخصصين. فأفكار داروين لا يزال ينشد قراءتَها كلُّ عَالِم أحياء، ولا تزال مستمرة في توليد أفكار وتجارب جديدة في جميع أنحاء العالم. وكذلك هي نظريات أينشتاين بالنسبة لعلماء الفيزياء. ولا تزال مسرحيات شكسبير وألحان موتسارت وإيقاعاته تؤثِّر في أناس من لغات وثقافات بعيدة كل البعد عن إنجلترا وطن الأول، وعن النمسا وطن الثاني. قد يظهر عباقرة «معاصرون» ويختفون، لكن فكرة العبقرية لن تَبْرَحنا أبدًا. وكلمة عبقري هي الصفة التي نُطْلِقها على نوعية العمل الذي يتجاوز حدودَ الاتجاه السائد والشهرة والمكانة المرموقة؛ أي: ليس المرتبط بفترة زمنية بعينها. فالعبقرية تتجاوز بطريقة أو بأخرى وقتَ ظهورها ومكانَه.



يعود أصل كلمة عبقري بالإنجليزية «جينياس» genius للعصور الرومانية القديمة؛ ففي اللغة اللاتينية تُستخدَم كلمة جينياس لوصف الروح الحارسة (الحامية) لشخص أو مكان أو منشأة، وهلم جرًّا، الأمر الذي ربط هؤلاء الأشخاص بقُوى القَدَر وإيقاعات الزمن. ومثلما هي الحال بالنسبة لكلمة «دايمون» daimon اليونانية — التي تعني أيضًا الروح الحارسة — كان يُعتقَد أن جينياس أو الروح الحارسة تُلازِم المرءَ من المهد إلى اللحد، كما عبَّرَ عن ذلك الشاعرُ هوراس في أبيات له تَعُود للقرن الأول قبل الميلاد، قائلًا: «هي الرَّفِيقُ الذي يوجِّه نَجْمَ مَوْلِدِنا، رب الطبيعة البشرية، وهي فانيةٌ مع كل فَرْد، وتختلف في السِّيماء، أبيض وأسود.» ويرى هوراس أن تلك الروح وحدها هي مَن تحدد لماذا قد يختلف شقيقان كل الاختلاف من حيث الشخصية وأسلوب الحياة. لكن كلمة جينياس لدى الرومان لم تكن بالضرورة مرتبطة بقدرةٍ أو بإبداعٍ استثنائيٍّ.
لم تكتسِب كلمةُ العبقرية معناها الرئيسيَّ المُعاصِرَ والمختلِفَ اختلافًا واضحًا عن أصلها إلا مع بزوغ عصر التنوير؛ إذ باتَتْ تُشِير إلى: الفرد الذي تبدو عليه قدرات استثنائية عقلية أو إبداعية، سواء كانت هذه القدرات فطرية أو مكتسبة (أو كلا الأمرين معًا). فالشاعر هوميروس رغم ما يحظى به طوال ألفيَّتَيْن من إجلال وتوقير بصفته شاعرًا فذًّا مُلْهَمًا لم يُطلَق عليه أنه «عبقري» إلا بحلول القرن الثامن عشر. لكن هذا الاستخدام الحديث مستمَدٌّ من الكلمة اللاتينية «إينجينيوم» ingenium (ليس من كلمة «جينياس») التي تعني «قدرة طبيعية» أو «مَقْدِرة فطرية» أو «موهبة»، وباتت الكلمة تُستخدَم على نطاق واسع في عام ١٧١١، حينما نشر جوزيف أديسون مقالًا عن «العبقرية» في مجلته حديثة التأسيس «ذا سبيكتاتور». كتب أديسون يقول: «ما من شميلة يتكرر أن يُوصَف بها الكُتَّاب جميعًا أكثر من شميلة العبقرية.» وأضاف:
سَمِعْتُ عن كثير من ناظِمِي القصائد المتواضعين الذين يُوصَف الواحد منهم بأنه عبقري بارع. وما من مؤلِّف ملحمي فاشل على وجه البسيطة إلا ويعتقد معجَبوه أنه شديد العبقرية، أما الهواة في مجال تأليف المسرحيات التراجيدية فنادرًا ما لا يشيد شخص أو آخَر بأي منهم باعتباره عبقريًّا مذهلًا.

في أواسط القرن الثامن عشر اقترح صامويل جونسون في مجلته الدورية «ذا رامبلر» تعريفًا عصريًّا على نحو جليٍّ لكونه يركِّز على العبقرية باعتبارها هدفًا يمكن بلوغه من خلال الاجتهاد والتفاني. يقول جونسون:
… [بما] أن العبقرية، أيًّا ما كانت، كالنار الكامنة في الحجر الصوان لا تنشأ إلا بقدح الحجر بما يناسبه من مواد، فإن من واجب كل إنسان أن يختبر قدراته كي يعلم ما إذا كانت لا تتوافق مع تطلعاته، وبما أن أولئك الذين يُعجَب هو ببراعتهم لم يكتشفوا قُوَّتَهم تلك إلا من خلال الاجتهاد، فإن كل ما يحتاجه هو أن يشرع هو الآخَر في الاجتهاد الذي سبقه إليه هؤلاء وبالحماسة نفسها، وحينئذٍ يكون من المنطقي أن يأمل في أن يحقِّق نجاحًا مماثلًا.


بيانات الكتاب

الأسم : العبقرية
المؤلف :  أندرو روبنسون
المترجم : رحاب صلاح الدين
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 133 صفحة
الحجم : 12 ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



يرجع رفض الخرافة في الغرب إلى أفلاطون الذي رفض خرافات هوميروس لأسباب أخلاقية بالأساس. واقتصر الأمر في الدفاع عن الخرافة من هذا الاتهام على الرواقيين الذين أعادوا تفسير الخرافات مجازيًّا. ولم يأتِ رفض الخرافات الأساسي في العصر الحديث من علم الأخلاق بل من العلم. ويُفترض
هنا أن تفسِّر الخرافة طريقة سيطرة الآلهة على العالم المادي بدلًا من طريقة تعامل الآلهة مع بعضها البعض، مثلما كان يرى أفلاطون. وبينما كان أفلاطون يسخر من الخرافات لتقديم الآلهة كشخصيات تمارس الأفعال اللاأخلاقية، فإن نقاد العصر الحديث يرفضون الخرافات بسبب تفسيرها للعالم تفسيرًا غير علمي.

الخرافة كعلم حقيقي

كان من أشكال الرفض الحديثة للخرافات رفض مصداقيتها العلمية. فهل حدثت عملية الخلق في ستة أيام فقط، مثلما تشير القصة الأولى من قصتَي الخلق في سفر التكوين (١: ١-٢: ٤أ)؟ هل كان هناك حقًّا طوفان غمر العالم بأكمله؟ هل يرجع تاريخ الأرض إلى ستة أو سبعة آلاف سنة فقط؟ هل أصاب المصريين عشرةُ ضربات بالفعل؟ كان أحد أكثر الدفاعات استماتةً عن الخرافة في هذا السياق هو الزعم بصحة الرواية المذكورة في الكتاب المقدس لهذه الأحداث، بسبب تنزيل الله للأسفار على موسى. ويتخذ هذا الرأي، المعروف باسم «نظرية الخلق»، صورًا متعددة، تتراوح بين حساب عدد أيام الخلق باعتبارها ستة أيام بالضبط، وبين اعتبارها مسألة استغرقت «عصورًا». وظهرت نظرية الخلق كرد فعل لكتاب «أصل الأنواع» لداروين (١٨٥٩)، الذي يطرح تطور الأنواع تدريجيًّا بعضها من بعض، وليس خلقها بصورة منفصلة آنية. ومما يدعو للدهشة أن نظرية الخلق صارت أكثر، وليس أقل، تشبثًا بالحرفية في تفسيرها لرواية الكتاب المقدس لقصة الخلق.



في الوقت نفسه، يتباهى مؤيدو نظرية الخلق من كافة المشارب بشأن رؤاهم باعتبارها علمية «وكذلك» دينية، وليست دينية «أكثر» من كونها علمية. و«نظرية الخلق» هي اختصار ﻟ «علم الخلق»، الذي يقتنص أي دليل علمي من أي نوع لدعم مزاعمه، ودحض مزاعم النظريات اللادينية المنافسة مثل التطور. ولا شك في أن «علماء الخلق» قد يعترضون على استخدام مصطلح «خرافة» للتعبير عن الرؤى التي يدافعون عنها؛ وذلك فقط نظرًا للمعتقدات الزائفة المرتبطة بالمصطلح. وإذا جرى استخدام المصطلح بصورة محايدة للإشارة إلى معتنق راسخ، فإن نظرية الخلق ستعبر حينها عن خرافة تزعم أنها علمية. ومن وجهة نظر علماء الخلق، لا يستند التطور إلى أي أساس علمي على الإطلاق. وفي حال وجود أي صدام بين الكتاب المقدس والعلم الحديث، يجب على العلم الحديث أن يفسح المجال لعلم الكتاب المقدس، وليس العكس.

الخرافة كعلم حديث

يتمثل أحد الدفاعات الأكثر اعتدالًا عن الخرافة في وجه رفض العلم الحديث لها في التوفيق بينها وبين العلم. وفي هذا السياق، يتم التخلص من العناصر التي تصطدم بالعلم الحديث أو، بصورة أكثر براعة، إعادة تفسيرها بحيث تصير حديثة وعلمية. وتعتبر الخرافة ذات مصداقية علمية؛ نظرًا «لأنها» علم — علم حديث. ربما لم يكن بمقدور إنسان اسمه نوح (النبي) وحده جمع كل هذه الأنواع من الكائنات والحفاظ على حياتها في قارب خشبي قوي بما يكفي لتحمل أمواج أعتى البحار الموجودة آنذاك، لكن كان هناك طوفان. من ثم، يعتبر ما ظل قائمًا من الخرافة صحيحًا لأنه علمي. ويُعد هذا الأسلوب في التناول متعارضًا مع الأسلوب الذي يُطلق عليه «التجرد من العناصر الخرافية»، الذي يفصل الجانب الخرافي عن العلمي. وسنتناول أسلوب التجرد من العناصر الخرافية في الفصل التالي.

وفي تعليق على الضربة الأولى؛ ألا وهي تحول مياه النيل إلى دم (سفر الخروج ٧ : ١٤–٢٤)، يجسد محررو «إنجيل أكسفورد المشروح» هذا الأسلوب المنطقي بقولهم: «كانت ضربة الدم تعكس بوضوح ظاهرة طبيعية في مصر؛ ألا وهي لون نهر النيل الضارب إلى الحمرة في أوج فيضانه في الصيف، والذي كان يرجع إلى جسيمات حمراء في الأرض أو ربما إلى كائنات حية دقيقة.» أما بالنسبة للضربة الثانية؛ ألا وهي ضربة الضفادع (سفر الخروج ٨ : ١-١٥)، كتب المحررون قائلين في وضوح: «كان طمي النيل، بعد موسم الفيضان، هو البيئة الطبيعية لتكاثر الضفادع، ولم تتعرض مصر لهذه الضربة لأكثر من مرة من قبل؛ نظرًا لوجود الطائر الآكل للضفادع؛ أبو منجل.» فيا لها من مصادفة، تلك التي وقعت حينما كان طائر أبو منجل ليس على الساحة عندما بسط هارون يده للتسبب في وقوع الضربة، وحتمًا عاد الطائر في الوقت الذي كان موسى يرغب فيه في رفع البلاء! فبدلًا من وضع الخرافة «في مواجهة» العلم، يسنح هذا الأسلوب بتحويل الخرافة «إلى» علم، وليس كما هو رائج حاليًّا، تحويل العلم إلى خرافة.

بيانات الكتاب

الأسم : الخرافة
المؤلف :  روبرت إيه سيجال
المترجم : محمد سعد طنطاوي
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 167 صفحة
الحجم : 7 ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



تظهر الأمم بمرور الزمن نتيجةً للعديد من العمليات التاريخية؛ لذا سيكون من غير المُجْدي أن نحاول تعيين لحظةٍ محدَّدةٍ لظهور أيِّ أُمَّة إلى الوجود كما لو كانت سلعة مصنَّعة من تصميم أحد المهندسين. دعونا نبحث أسباب هذا. الأمم كافةً لها أسلافٌ تاريخية؛ سواء أكانت قبائلَ أو دولَ مدنٍ أو ممالكَ. وتلك
المجتمعات الأسبق تاريخيًّا هي عناصر مهمة في تشكيل الأمم. على سبيل المثال، نشأت الأمة الإنجليزية من مجتمعات الساكسون والأنجل والنورمان السابقة لها تاريخيًّا، غير أن هذه الأسلاف التاريخية ليست قطُّ حقائق مجردة؛ لأن أساس وجود الأمة هو الذكريات التي يتشاركها جميع أفراد الأمة عن ماضي أمتهم، وعن تلك المجتمعات السابقة.

على سبيل المثال، ما كانت أمة بني إسرائيل القدامى لِتُوجَد ما لم تكن هناك ذكريات عن الماضي؛ مثل ذكريات الخروج من مصر، والنبي موسى وثعبانه البرونزي (الذي حُفِظ في معبد القدس حتى عهد الملك حزقيا (٧١٤–٦٨٦ قبل الميلاد))، وذكريات حُكم النبي داود والنبي سليمان. وما كانت الأمة الإنجليزية لتُوجَد لو لم تكن هناك ذكريات عن الملك ألفريد الساكسوني (٨٤٩–٨٩٩ ميلاديًّا) و«القانون القديم الصالح». وبالمثل، كانت الذكريات عن أسرة البياست ومملكتهم (من القرن العاشر حتى القرن الثاني عشر الميلادي) من المكوِّنات الأساسية وراء ظهور الأمة البولندية، وكذلك كانت الذكريات عن مملكة ياماتو (من القرن الرابع حتى السابع الميلادي) وعبادتهم لإلهة الشمس «أماتيراسو» في مدينة إيسه، من مكوِّنات الأمة اليابانية.



قد لا تكون الأحداثُ التي تصفها هذه الذكريات دقيقةً في الواقع؛ ومثال على ذلك اللعناتُ العَشْر الواردة في رواية بني إسرائيل عن خروجهم من مصر، أو أن الإمبراطور الياباني هو سليل أماتيراسو. ولكلِّ أمة فَهْمُها الخاص لماضيها المميز، وهو فَهْمٌ يُنقل من خلال الحكايات والخرافات والتاريخ. وسواء أكانت تلك الذكريات صحيحةً من الناحية التاريخية أم لم تكن كذلك، فإنها تُسهم في فهم الحاضر الذي يميز أمة عن أخرى. هذا العنصر الزمني — عندما يشكِّل فهم الماضي جزءًا من الحاضر — هو طابع يميِّز الأمم ويسمَّى «العمق الزمني».
هذه الذكريات تشكِّل أيضًا جزءًا من مفهوم المرء عن نفسه. فمع تطوُّر عقل الفرد في إطار سياقات عديدة، مثل الأسرة أو المؤسسات التعليمية المختلفة، فإنه يبحث عن تلك العادات والتقاليد العديدة المتقلِّبة «المتاحة» أمامه. فمثلًا، يتعلَّم الطفل أن يتكلَّم لغةَ أُمَّتِهِ ويتعلَّم ما يعنيه انتماؤه لهذه الأمة وفقًا لما تمليه عاداتها وقوانينها. تندمج هذه العادات في فهم الفرد لذاته، وعندما تصبح تلك العادات التي تشكِّل جزءًا من مفهوم المرء عن ذاته مشتركةً بين أفراد آخرين باعتبارها جزءًا من مفهومهم عن ذاتهم، يصبح الفرد مرتبِطًا بهؤلاء الآخرين، ومدرِكًا لذلك الارتباط، وتصبح العلاقة نفسها — مثل العيش في نفس المنطقة الجغرافية أو التحدُّث بنفس اللغة — هي المقصودة بمصطلح «الوعي الجمعي». وهذا المصطلح لا يعني بأي حالٍ وجودَ عقلٍ جماعي أو مزيجٍ من الغرائز البيولوجية، وكأن البشر عبارةٌ عن مستعمرةٍ من النمل، وإنما هو يشير إلى علاقةٍ اجتماعيَّةٍ لكلِّ فردٍ من مجموعةٍ من الأفراد نتجتْ عن اشتراك هؤلاء الأفراد في نفس التقاليد.

عندما يشترك هؤلاء الأفراد في نفس التقاليد، ويعتبرون أنفسهم أيضًا مختلفين عمَّن لا يشتركون معهم فيها، يصبح هناك معتقَدٌ مشترك محدد ذاتيًّا، وهو ما يُسمَّى «وعيًا ذاتيًّا جمعيًّا»؛ أي ثقافة مميزة. يتم تحديد الخصائص أو الصفات التي تُميِّز منظومة التقاليد عن أي منظومة أخرى؛ وتلك الخصائص هي حدود العلاقة الاجتماعية التي تسمح لنا بأن نُميِّز «نحن» عن «هم». وبالعودة إلى أمثلتنا، فإن أولئك الذين يقبلون تقليد خروج بني إسرائيل من مصر — وبقبولهم هذا يشتركون فيه — يميزون أنفسهم عن غيرهم ممن لا يفعلون هذا. وأولئك الذين يعبدون إلهة الشمس اليابانية أماتيراسو يميزون أنفسهم عمَّن لا يفعلون ذلك. وأولئك الذين يتكلَّمون لغةً معيَّنة يعتبرون أنفسهم مختلفين عمن يتكلَّمون لغةً مختلفةً. «الأمة إذن هي علاقة اجتماعية لها وعيٌ ذاتيٌّ جمعيٌّ.»

بيانات الكتاب

الأسم : القومية
المؤلف :  ستيفن جروزبي
المترجم : محمد إبراهيم الجندية
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 132 صفحة
الحجم : 10 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١5م




مَن هو ألكسي دي توكفيل؟ هو، بالتأكيد، كاتب صاحب أسلوب بارع، لكنه كاتب أعمال غير قصصية يتحدث عن الحقيقة والواقع بعبارات آسِرة وصياغات جذابة. هو أيضًا عالم اجتماع، لكنه لم يستخدم المنهجيةَ المعقدة والحيادَ غير التدخُّلي والموضوعيةَ المصطنعة التي يستخدمها علماء الاجتماع اليومَ.
وقد كان مدافِعًا عن السياسة ومُصلِحًا فيها في نفس الوقت، متَّبِعًا المنهج العلمي في بعض الأحيان، لكن دون أن يسمح لهذا المنهج العلمي بأن يتعارض مع هدفَيْه السابقين. هل كان مؤرِّخًا؟ نعم؛ لأنه كَتَبَ عن الديمقراطية في أمريكا، التي كانت حينها وما زالت حتى الآن مهدَها الأساسي، وكَتَبَ كذلك عن النظام القديم في فرنسا، الذي كان — بحسب قوله — يرى أن الديمقراطية بدأت فيه؛ والمدهش أن هذا كان في شكل حكم رشيد من قِبَل نظام ملكي. لم يكن يكتب مثل المُنظِّرين المنفصلين عن الزمان والمكان، غير أنه كان يسعى دائمًا وراء الأسباب ولم يكن مجرد سارِدٍ للأحداث، وقد اختار كذلك أن يكتب عن أهم الأحداث، أو «الأسباب الأولى»، على حد زعمه. هل كان فيلسوفًا؟ هذا سؤال صعب، على الرغم من أن الكثيرين ممَّن يربطون بين الفلسفة والنظام السياسي سيجيبون على هذا السؤال بالنفي، أما أنا فأرى أنه يحمل من سمات الفلاسفة أكثر مما يبدو. يمكننا الاتفاق على أنه «مفكِّر»، على الرغم من أنها كلمة غير معبِّرة إلى حدٍّ كبير عن شخصٍ كانت لديه شكوكٌ تجاه الفلسفة.
هل كان رجلًا عظيمًا؟ هذا مؤكد؛ هو رجل عظيم لنفاذ بصيرته، وأيضًا لأنه أخذ على عاتقه تفسير العظمة في عصر ديمقراطي في الوقت الذي كانت فيه محلَّ هجومٍ أو ببساطةٍ مُغفَلةً تمامًا. إنه رجل عظيم ربط بين الديمقراطية والحرية من جهة، والعظمة من جهة أخرى.



لقد وصف توكفيل نفسه بأنه «ليبرالي من نوع جديد». أما اليوم، فهو غير معروف باعتباره ليبراليًّا، كما هو الحال بالنسبة إلى صديقه جون ستيوارت ميل، الذي ألَّف كتابًا عنوانه «عن الحرية» لتفسير المبادئ الليبرالية وتأييدها. يبدو أن توكفيل كان يميل أكثر للوصف والتحليل بصفته عالم اجتماع، غير أن أسلوبه كان بارعًا. وعلى الرغم من أن أعماله كانت تزخر بالرؤى الكاشفة، فإن أفكاره نَبَعَت من رصد الحقائق بدلًا من أن تظهر مرتَّبةً على نحوٍ منهجي في تسلسُل الحجج. لكنني سأحاول أن أحافِظ له على الوصف الذي أطلقه على نفسه، وأوضِّح أنه يستحق المرتبةَ الأعلى بين الليبراليين؛ فقط لأنه لم يكن مُنظِّرًا كما يريد عادةً الليبراليون أن يكونوا.
إذا كان توكفيل ليبراليًّا من نوع جديد، فهذا يعني أن الليبرالية نفسها ليست شيئًا جديدًا. صحيح أن كلمة «ليبرالي» قد بدأ استخدامها فقط في عصر توكفيل، لكن كان أساس تلك الليبرالية قبل ظهورها موجودًا في معتقدات المُنظِّرين السياسيين المُحدثين في القرن السابع عشر، وبالأخص توماس هوبز وباروخ سبينوزا وجون لوك، الذين جعلوا الأساسَ الذي انطلقوا منه هو أن الإنسان حر بطبيعته. لقد كانوا يقصدون أنه قبل أن يصبح الإنسان جزءًا من مجتمع أو نظام سياسيٍّ ما، لا بد أنه كان في حالة مجردة (أي «الحالة الطبيعية»)؛ حيث كان حرًّا في اختيار المجتمع الذي قد يرغب في الانضمام إليه ونظامه السياسي. لا يَعتقد توكفيل أن الإنسان بدأ في تلك الحالة التي كان فيها «كامل الحرية»، بحسب قول لوك، ولا يَعتقد أن الحرية سبقت السياسة. يبدو أن توكفيل كان يتفق بدلًا من ذلك مع أرسطو، وهو الفيلسوف القديم الذي عارضه المُنظِّرون المحدثون هؤلاء، والذي قال إن «الإنسان بطبيعته حيوان سياسي»، قاصدًا أن الحرية الإنسانية تضرب بجذورها في السياسة، وليس في حالة طبيعية أصلية سابقة على السياسة.


بيانات الكتاب

الأسم : توكفيل
المؤلف : هارفي سي مانسفيلد
المترجم :مصطفى محمد فؤاد
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 134 صفحة
الحجم : 21 ميجابايت
الطبعة الأولى ٢٠١٦م

MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget