Articles by "علوم سياسية"





إن مفهوم العلاقات الدولية مفهوم فضفاض للغاية، فهو في استخدامه الحديث لا يشمل العلاقات بين الدول فحسب، بل يشمل أيضًا العلاقات القائمة بين الدول والمنظمات من غير الدول؛ مثل الكنائس ومنظمات الإغاثة الإنسانية والشركات متعددة الجنسيات، والعلاقات القائمة بين الدول والمنظمات الحكومية الدولية؛ كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وسوف أستخدم في هذه المقدمة
القصيرة جدًّا هذا المفهوم الفضفاض لمادة العلاقات الدولية.

تُدَرَّس مادة العلاقات الدولية في جامعات عديدة، مقترنة في كثير من الأحيان بمنهج العلوم السياسية، أو متضمَّنَة فيه. إلا أنني أرى أن محاولة علماء السياسة أن يفرضوا نوعًا من أنواع الاحتكار على مادة العلاقات الدولية هو أمر غير قابل للتطبيق ولا الاستمرار؛ فالدارس الجاد للعلاقات الدولية يجب أن يتحلى ببعض المعرفة بالتاريخ والقانون والاقتصاد الدوليين، إضافةً إلى السياسة الخارجية والسياسة الدولية.

وقد كانت تلك الطبيعة المركَّبة ومتعددة التخصصات لمادة العلاقات الدولية هي التي جعلت من البحث عن نظرية عامة فعالة للعلاقات الدولية «مهمة مستحيلة». ولا يعني هذا أنه لا توجد نظريات جزئية أو محدودة قيِّمة يمكن تطبيقها على جوانب بعينها من تلك المادة (على سبيل المثال: ثمة مجموعة من النظريات المفيدة في مجالات التنمية الدولية، والحد من الأسلحة، والدورات التجارية، وسباقات التسلُّح)، بيْد أنَّ مدراس الفكر الرئيسية التي توضع على أساسها نظرية عامة في مجال العلاقات الدولية لم تثبُت بأي شكل علمي، بل إنها تمثِّل طرقًا لفهم العلاقات الدولية، أو صورًا تشبيهية أو نماذج تَلقى قبول المقتنعين بها؛ لأن تلك هي الطريقة التي يفضلون رؤية العالم بها. ويمكن القول إنَّه إذا ساد نهج بعينه من نُهُج تفسير العلاقات الدولية بالقدر الكافي، فقد يصبح مُرضيًا في حد ذاته. وأحد الأمثلة الجيدة على ذلك هي النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، التي يمكن القول إنها ما زالت أكثر المدارس الفكرية تأثيرًا في مجال العلاقات الدولية على طرفي المحيط الأطلنطي.

(٢) النظرية الواقعية

إن الرائدَين الفعليَّين للمدرسة الواقعية الحديثة في العلاقات الدولية هما نيكولو مكيافيللي — مؤلف كتاب «الأمير» (١٥٣٢) — وتوماس هوبز — مؤلف كتاب «اللوياثان» (١٦٥١) — إذ افترض كِلا هذين الفيلسوفين السياسيين أن البشر تدفعهم بالأساس مصالحهم الذاتية وشهواتهم، وأن أكثر تلك الشهوات تفشيًا وانطواءً على خطورة محتملة هي شهوة السلطة. ورأَيا أن حاكم الدولة هو الضامن الحقيقي والوحيد للسلام الداخلي؛ لأنه وحده يتمتع بسلطة فرض ذلك السلام. بيد أنَّه في عالم السياسة الدولية الأشمل تسود شريعة الغاب.

وقد رأيا أن السياسة الدولية هي صراع مستمر على السلطة، لا تترتب عليه لزامًا حروب علنية متواصلة، ولكنه دائمًا ما يستلزم التأهب لخوض الحرب. وفي خِضَم حالة الفوضى السياسية المستمرة هذه، يكون المسار الحصيف الوحيد أمام الأمير هو شحذ أكبر قدر ممكن من القوة، وإعمالها في حماية المصلحة الوطنية لبلاده والسعي وراءها. ولهذا الغرض كانت القوة العسكرية هي المطلب الأهم، واعتُبِرت الثروة المتكونة عن التجارة والصناعة وسيلةً في المقام الأول لاكتساب القوة العسكرية اللازمة.



بيانات الكتاب


الأسم : العلاقات الدولية
المؤلف :  بول ويلكينسون
المترجم : لبنى عماد تركي
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 145 صفحة
الحجم : 9ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م




كلمة anarchy مشتقة من الكلمة اليونانية anarkhia، التي تعني ضد السلطة أو دون حاكم، وقد استُخدمَتْ بمعنًى ازدرائي حتى عام ١٨٤٠، عندما استعملها بيير جوزيف برودون لوصف أيديولوجيته السياسية والاجتماعية. ادَّعى برودون أن التنظيم من دون سلطة أمر وارد، بل هو أمر مرغوب. ومع تطور الأفكار السياسية، يمكن النظر إلى اللاسلطوية باعتبارها التصور النهائي لكلٍّ من
الليبرالية والاشتراكية، ويمكن أن ننسب الفروع المختلفة للفكر اللاسلطوي إلى أيٍّ من هاتين الأيديولوجيتين.
من الناحية التاريخية، نشأت اللاسلطوية؛ ليس فقط كتفسير للفجوة بين الأغنياء والفقراء في أي مجتمع، ولا كتفسير لسبب اضطرار الفقراء إلى الصراع من أجل نصيبهم من الملكية العامة، ولكن كإجابة متطرفة للسؤال «ما الخطأ الذي وقع؟» الذي أعقب النتيجة النهائية للثورة الفرنسية. فقد انتهت؛ ليس فقط بحكم إرهابي وظهور طبقة حاكمة حديثة الثراء، ولكن أيضًا بإمبراطور جديد محبوب — نابليون بونابرت — يختال في أرجاء مناطق فتوحاته.

كان اللاسلطويون وأسلافهم منتمين لا ريب إلى التيار اليساري بتأكيدهم على أن العمال والفلاحين — بعد انتهازهم الفرصة التي لاحت لهم لإنهاء قرون من الاستغلال والاستبداد — قد تعرَّضوا حتمًا للخيانة من الطبقة السياسية الجديدة، التي كانت أولويتها الأولى هي إعادة تأسيس دولة مركزية. وفي أعقاب كل انتفاضة ثورية — والتي غالبًا ما يدفع المواطنون العاديون ثمن نجاحها غاليًا — لا يتردد الحكام الجدد في اللجوء إلى العنف والترهيب والشرطة السرية والجيش النظامي لفرض هيمنتهم.

في نظر اللاسلطويين، الدولة نفسها هي العدو، وقد طبقوا التفسير نفسه مع نتيجة كل ثورة في القرنين التاسع عشر والعشرين. سبب هذا ليس فقط أن كل دولة تراقب المنشقِّين عنها وتُعاقبهم أحيانًا، بل لأن كل دولة تحمي امتيازات ذوي النفوذ.

كان الاتجاه السائد في الدعاية اللاسلطوية على مدار أكثر من قرن هو الشيوعية اللاسلطوية، والتي تنادي بأن ملكية الأرض والموارد الطبيعية وأدوات الإنتاج يجب أن تقع تحت السيطرة المشتركة للمجتمعات المحلية، والتي تتحد مع مجتمعات أخرى لأهداف متبادلة لا حصر لها. وهي تختلف عن اشتراكية الدولة في معارضتها لفكرة وجود أية سلطة مركزية. يفضل بعض اللاسلطويين التمييز بين الشيوعية اللاسلطوية واللاسلطوية الجمعية لكي يشددوا على الحرية المرغوب فيها بوضوح للفرد أو العائلة في امتلاك الموارد اللازمة للعيش، لكن دون أن يعنيَ هذا الحقَّ في امتلاك الموارد التي يحتاجها الآخرون.

تركز اللاسلطوية النقابية على العمال الصناعيين المنظمين الذين يستطيعون، من خلال «إضراب عام»، تجريد المُلاك من ممتلكاتهم؛ ومن ثَمَّ يحققون سيطرة عمالية على الصناعة والإدارة.

يوجد، ولا عجب في ذلك، تقاليد متعددة لما يسمى اللاسلطوية الفردية، أحدها مأخوذ من فكرة «الأنانية الواعية» للكاتب الألماني ماكس شتيرنر (١٨٠٦–١٨٥٦)، وآخر من مجموعة بارزة من شخصيات أمريكية تنتمي للقرن التاسع عشر ادَّعت أننا بدفاعنا عن استقلالنا الذاتي واتحادنا مع الآخرين من أجل مصالح مشتركة، فإننا بذلك نحقق الخير للجميع. اختلف هؤلاء المفكرون عن ليبراليي السوق الحرة في شكِّهم المطلق في الرأسمالية الأمريكية، وفي تشديدهم على أهمية المصلحة المشتركة. وفي نهاية القرن العشرين، جرى تبني كلمة «ليبرتاري» — التي استعملها فيما سبق الأشخاص المؤمنون بوجهة النظر هذه كبديل لكلمة «لاسلطوي» — بواسطة مجموعة جديدة من المفكرين الأمريكيين، الذين سنناقشهم في الفصل السابع.
نشأت اللاسلطوية السلمية بسبب كلٍّ من فكرة معاداة النظام العسكري التي صاحبت رفض الدولة ورفض اعتمادها المطلق على القوات المسلحة، وبسبب الاقتناع بأن أي مجتمع إنساني أخلاقي يعتمد على العلاقات الطيبة الحرة بين أفراده.

تركز هذه التفريعات وغيرها في الفكر اللاسلطوي على جوانب مختلفة. ما يربطها جميعًا هو رفضها للسلطة الخارجية، سواء كانت من الدولة، أو رب العمل، أو الهرميات الإدارية والمؤسسات القائمة كالمدرسة والكنيسة. ينطبق الأمر عينه على أنواع الدعاية اللاسلطوية المختلفة التي ظهرت حديثًا، كاللاسلطوية الخضراء واللاسلطوية النسوية. وهؤلاء، الذين يؤمنون بأنَّ تحرُّر الحيوان مظهر من مظاهر تحرر الإنسان، يدَّعون أن اللاسلطوية هي الأيديولوجية الوحيدة المتماشية مع أهدافهم.

من المعتاد ربط الفكر اللاسلطوي بأربعة مفكرين ومؤلفين؛ الأول هو ويليام جودوين (١٧٥٦–١٨٣٦) الذي دافع في كتابه «تحقيقٌ في العدالة السياسية» — المنشور عام ١٧٩٣ — عن فكرة اللاسلطوية ضد الحكومة والقانون والملكية الخاصة ومؤسسات الدولة. كان جودوين متزوجًا من ماري ولستونكرافت ووالد ماري شيلي، وكان وريثًا لكلٍّ من الفكر الإنجليزي عن الانشقاقية المتطرفة وفلاسفة عصر التنوير الفرنسيين. وقد أكسبه كتابه شهرة فورية، سرعان ما انقلبت إلى عدائية وتجاهل في ظل المناخ السياسي الذي كان سائدًا في مطلع القرن التاسع عشر، ولكن ظل كتابه محل تداول سرًّا داخل الأوساط المتطرفة حتى أعيد اكتشافه على يد الحركة اللاسلطوية في تسعينيات القرن التاسع عشر.

ثاني هؤلاء الرواد هو بيير جوزيف برودون (١٨٠٩–١٨٦٥)، أحد دعاة اللاسلطوية الفرنسيين الذي كان أول من وصف نفسه باللاسلطوي. اشتُهر برودون في عام ١٨٤٠ بفضل مقاله الذي أعلن فيه أن «الملكية سرقة»، ولكنه ادَّعى أيضًا أن «الملكية حرية». لم يجد برودون تعارضًا بين هذين الشعارين؛ إذ رأى أنه من الواضح أن الشعار الأول مرتبط بصاحب الأرض وصاحب رأس المال اللذَين تأتي ملكيتهما من الانتزاع أو الاستغلال بمساندة الدولة وقوانين الملكية والشرطة والجيش، في حين أن الشعار الثانيَ متعلق بعائلة الفلاح أو الحِرفي مع حقهم الطبيعي الواضح في البيت، والأرض التي يزرعونها، وأدوات مهنتهم، ولكن دون امتلاك أو سيطرة على بيوت أو أرض أو سبل عيش الآخرين. تعرَّض برودون للانتقاد لكونه مجرد زائر لعالم المزارعين الفلاحين وصغار الحِرفيين في المجتمعات المحلية، ولكن كان رده جاهزًا بوضع مبادئ الفيدرالية الناجحة.



بيانات الكتاب


الأسم : اللاسلطوية
المؤلف :  كولين وارد
المترجم : مروة عبد السلام
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 110 صفحة
الحجم : 12ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



في نهاية القرن التاسع عشر، كانت غالبية الملاحات في فرنسا المتوسطية غير مزودة بالماكينات الحديثة، وكانت مهمة حمل الملح عملًا شاقًّا مشقة لا تعادلها مشقة. وتحت لهيب شمس أغسطس المحرقة، كان العمال يدفعون عربات يد ثقيلة محملة بالملح على ألواح خشبية إلى قمة ركام من الملح لا يفتأ يزداد ارتفاعًا. ولما كان العمل موسميًّا، كان الأمر خيارًا لا بد منه أمام العمال الفقراء الرُّحل الذين كان العديد منهم مهاجرين إيطاليين؛ نظرًا لما كانت فرنسا تعانيه من نقص في الأيدي العاملة.

في السادس عشر من أغسطس عام ١٨٩٣، في ملاحة إيج مورت، انتشرت شائعات عارية من الصحة بأن ثمة إيطاليين قتلوا ثلاثة عمال فرنسيين، الأمر الذي أثار موجة محمومة من مطاردة المهاجرين عاثري الحظ. في صبيحة اليوم التالي، اقتادت الشرطة أكبر عدد ممكن من الإيطاليين إلى محطة السكك الحديدية. وفي الطريق، تعرَّض العمال المذعورون لاعتداء وحشي من جانب مواطنين فرنسيين، فلقي ستة إيطاليين على الأقل مصرعهم في الطريق، إضافة إلى اثنين آخرين في مكان آخر. وفي نهاية الأمر، سُمح للإيطاليين باللجوء إلى «حصن كونستانس»، وهو أحد حصون القرون الوسطى في إيج مورت. ولا يُعرف إلى الآن عدد الإيطاليين الذين قُتلوا على يد مجهولين في مستنقعات الملح خلال اليومين التاليين.

في تلك الفترة شاع الشجار بين الفرنسيين والمهاجرين، لكنه لم يكن يسفر عادة عن سقوط قتلى. وصارت كراهية العمال الأجانب سمة مميزة لكل الاتجاهات السياسية، ففي إيج مورت رفع رتل من العمال الفرنسيين راية حمراء في وجه نظرائهم الإيطاليين. إلا أن مذبحة إيج مورت كانت غير مسبوقة.

تصادف أن موريس باريه — وهو كاتب يعتبره البعض أحد من أسسوا لفكر الفاشية — كان قد اتخذ إيج مورت مسرحًا لأحداث روايته «حديقة بيرينيس» التي صدرت عام ١٨٩٠، واستخدم «حصن كونستانس» باعتباره رمزًا لشكل جديد من النزعة القومية. رفض باريه وجهة النظر الليبرالية والديمقراطية التي ترى أن الدولة تعبير عن المصالح الرشيدة لأي فرد (ذكر) يقيم في فرنسا؛ فقد رأى أن مفهوم الدولة ينبثق من شعور روحي لا يدركه فهم الإنسان العادي، وهي وجهة نظر نجمت عن الأفكار النفسية التي سادت آنذاك بشأن اللاوعي البشري الجمعي، وعن الحركة الرمزية في الأدب، التي كانت تؤمن بأن الفن يستطيع أن يصل إلى الأساطير الخفية الكامنة وراء السلوك البشري. كانت الدولة من وجهة نظر باريه نتاجًا للتاريخ والتقاليد، ولارتباط طويل الأمد بين الفلاحين الفرنسيين والتراب الوطني. كان بطل روايته يستطيع أن يرى من فوق أعلى قمة «حصن كونستانس» رحابة الريف الفرنسي. ويتواصل مع ماضي فرنسا في القرون الوسطى، ويدرك أنه — كفرد — ليس سوى «ذرة واحدة من تراب هذا الريف الشاسع». لم يكن من الممكن قط أن يكون بطل رواية باريه أحد المهاجرين؛ لأنه كان جزءًا لا يتجزأ من التراب الفرنسي.

قد يبدو أن باريه ليس سوى فنان آخر مهووس بذاته، ومقتنع بأنه يمتلك مفاتيح النفس البشرية. في الواقع ثمة قدر كبير من هذا النوع من الغطرسة في أعمال باريه الأدبية. لكن الأمر لا يقف معه عند هذا الحد، فقد انتُخب باريه عام ١٨٨٩ نائبًا عن مدينة نانسي الواقعة شرق فرنسا في البرلمان بوصفه من أتباع الجنرال بولانجيه، وهو رجل عسكري كان قد وعد بتطهير فرنسا من السياسيين البرلمانيين الفاسدين. علاوة على أن حملة باريه الانتخابية استغلت ما كان يتسم به سكان مدينة نانسي من عداء للسامية. ظل باريه مقتنعًا بأن القومية حلٌّ لجميع المشاكل. وقبل بضعة أسابيع من وقوع مذبحة إيج مورت، كتب سلسلة من المقالات لصحيفة «لو فيجارو» تحت عنوان شابه الغموض هو: «ضد الأجانب». نُشرت هذه المقالات في وقت كانت فيه العلاقات الإيطالية الفرنسية تشهد تدهورًا، وكان يُشتبه في كون المهاجرين الإيطاليين جواسيس. صحيح أن باريه لم يكن مسئولًا مسئولية مباشرة عن أحداث إيج مورت، لكن رواياته وما كتبه من مقالات سياسية جعلت شيوع كراهية الأجانب مرتبطة بالأصول الفكرية الأولى للفاشية. وفي عام ١٨٩٨، وصف باريه نفسه بأنه «اشتراكي قومي».



بيانات الكتاب


الأسم : الفاشية
المؤلف :  كيفن باسمور
المترجم : رحاب صلاح الدين
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 158 صفحة
الحجم : 7ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م



الحرب العالمية الثانية وتدمير النظام القديم

لا مناص من بدء أي نقاشات تخص الحرب الباردة بالحرب العالمية الثانية. فهذه الحرب، التي تعد — وفق أي معيار يمكن تصوره — الصراع الأكثر تدميرًا في تاريخ البشرية، تسببت في مستويات لا نظير لها من الموت والدمار والحرمان والفوضى.

يقول المؤرخ توماس جي باترسون: «إن الدمار الرهيب الذي شهده العالم بين عامي ١٩٣٩ و١٩٤٥ كان شاملًا وعميقًا لدرجة انقلب العالم معها رأسًا على عقب. ليس فقط عالم البشر بعماله ومزارعيه وتجاره وموسريه ومفكريه الأصحاء المنتجين، ليس فقط ذلك العالم الآمن بعائلاته ومجتمعاته المتماسكة، ليس فقط ذلك العالم العسكري بقوات العاصفة التابعة للنازي وطياري الكاميكازي اليابانيين الانتحاريين، بل كل هذا معًا وأكثر.» وبزعزعة «عالم السياسات الراسخة والحكم والتقاليد الموروثة والمؤسسات والتحالفات والولاء والتجارة والطبقات الاجتماعية»، خلقت الحرب ظروفًا جعلت صراع القوى العظمى محتمل الحدوث بدرجة كبيرة، إن لم يكن حتميًّا.

عالم انقلب رأسًا على عقب

تسببت الحرب في مقتل نحو ٦٠ مليون شخص، قرابة ثلثيهم من المدنيين. تكبد الطرف الخاسر للحرب؛ دول المحور المكونة من ألمانيا واليابان وإيطاليا، أكثر من ٣ ملايين قتيل من المدنيين، وتكبد الطرف المنتصر؛ الحلفاء، أكثر من هذا الرقم بكثير: إذ لقي نحو ٣٥ مليون مدني حتفهم جراء الحرب. كانت نسبة الضحايا مذهلة؛ إذ لقي نحو ١٠ إلى ٢٠ بالمائة من إجمالي سكان الاتحاد السوفييتي وبولندا ويوغوسلافيا حتفهم، وتراوحت النسبة بين ٤ و٦ بالمائة من إجمالي سكان ألمانيا وإيطاليا والنمسا والمجر واليابان والصين. ومثلما يستمر عدد ضحايا هذا الصراع العالمي الطاحن في الاستعصاء على أي جهود إحصائية دقيقة، فإن فداحة الخسائر البشرية التي حصدها تظل بالتأكيد مستعصية على الاستيعاب على نحو صادم بعد مرور جيلين على انقضاء الحرب العالمية الثانية، تمامًا كما كانت عقب انتهاء الصراع مباشرة.

بنهاية الحرب عم الخراب أغلب القارة الأوروبية. وقد وصف رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، بكلمات قوية ليست بالغريبة عليه، أوروبا ما بعد الحرب بأنها «كومة من الأنقاض، ومقبرة، وأرض خصبة للأوبئة والكراهية». ووفق تعبير المراسل ويليام شيرر فإن برلين كانت «أرض خراب تام، ولا أظن أن دمارًا وقع من قبل قط على مثل هذا النطاق». في الواقع، عانى كثير من أكبر مدن وسط وشرق أوروبا مستويات مقاربة من الدمار؛ إذ سُوي ٩٠ بالمائة من مباني كولونيا ودوسلدورف وهامبورج بالأرض جراء قصف طائرات الحلفاء، وتهدم ٧٠ بالمائة من المباني الموجودة بوسط فيينا. وفي وارسو، كما نقل لنا جون هيرشي، دمر الألمان المدينة «على نحو منهجي، شارعًا شارعًا، وزقاقًا زقاقًا، ومنزلًا منزلًا. ولم يتخلف شيء سوى هياكل خربة». وقد كتب السفير الأمريكي آرثر بليس لين، عند دخوله تلك المدينة التي مزقتها الحرب، في يوليو من عام ١٩٤٥ قائلًا: «كانت رائحة اللحم البشري المحترق المثيرة للغثيان تحذرنا من أننا على وشك دخول مدينة للموتى.» وفي فرنسا، دُمر خُمس مباني الدولة بشكل كليٍّ أو جزئي، وفي اليونان بلغت هذه النسبة الربع. وحتى بريطانيا العظمى التي لم تُحتل فقد عانت ضررًا بالغًا، تسبب فيه بالأساس القصف النازي، في الوقت الذي خسرت فيه ما يقدر بربع ثروتها القومية على امتداد الصراع. كانت خسائر الاتحاد السوفييتي هي الأكبر على الإطلاق؛ إذ لقي ما لا يقل عن ٢٥ مليون شخص حتفهم، فيما شُرد ٢٥ مليونًا آخرون، ودُمر ٦ ملايين مبنى، وسويت أغلب مصانع الدولة ومزارعها المنتجة بالأرض. وعلى امتداد أوروبا، تسببت الحرب في تشريد ٥٠ مليون شخص، أطلق على نحو ١٦ مليونًا منهم، على سبيل التخفيف، لقب «النازحين» من جانب الحلفاء المنتصرين.

كانت الظروف في آسيا بعد انتهاء الحرب على الدرجة عينها من القتامة. تعرضت المدن اليابانية كافة للدمار بفعل القصف الأمريكي المتواصل، ووصلت نسبة المناطق الحضرية المدمرة على نحو تام إلى ٤٠ بالمائة. تعرضت طوكيو، كبرى المدن اليابانية، لقصف عنيف من جانب قوات الحلفاء حتى إن أكثر من نصف مبانيها سُوي بالأرض تمامًا. أما هيروشيما وناجازاكي فقد لقيتا مصيرًا أبشع حين ألقي على المدينتين قنبلتان ذريتان أنهتا الحرب في المحيط الهادي ومحتا المدينتين من الوجود. شرد نحو ٩ ملايين ياباني قبل أن يعلن قادة البلاد الاستسلام. وفي الصين، التي امتدت عليها المعارك لأكثر من عقد، أصاب الخراب منطقة منشوريا الصناعية، وأغرقت مياه الفيضانات مزارع النهر الأصفر. وقُتل نحو أربعة ملايين إندونيسي كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للصراع، وهلك مليون هندي بسبب المجاعة التي سببتها الحرب في عام ١٩٤٣، تبعهم مليونا شخص في الهند الصينية بعدها بعامين. ومع أن السواد الأعظم من جنوب شرق آسيا نجا من أهوال الحرب المباشرة التي حلت باليابان والصين وكثير من جزر المحيط الهادي، فإن مناطق أخرى، كالفلبين وبورما، لم تكن محظوظة بالمثل. فأثناء المراحل الأخيرة من الصراع دُمر ٨٠ بالمائة من مباني العاصمة مانيلا تمامًا أثناء القتال الهمجي. وتسببت معركة مماثلة في وحشيتها في بورما، حسب شهادة القائد الحربي با ماو «في تحويل جزء كبير من البلاد إلى أنقاض».



بيانات الكتاب

الأسم : الحرب الباردة
المؤلف :  روبرت جيه ماكمان
المترجم : محمد فتحي خضر
الناشر : مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة
السلسلة : مقدمة قصيرة جداً
عدد الصفحات : 167 صفحة
الحجم : 3ميجابايت
الطبعة الأولى 2014 م


MKRdezign

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Javascript DisablePlease Enable Javascript To See All Widget